احتفاء بمئوية السياب على طريقتي الخاصة هاملت وبدر شاكر السياب… نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :

جلس هاملت أمامي في مطعمٍ بسيطٍ بمدينة البصرة، التي زرتُها قبل أيام مدعوًا لحضور ملتقى السياب السنوي، وهو تقليدٌ آثرت المدينة أن تُقيمه رغم آلامها التي لا تنتهي، احتفاءً بذكرى موت الشاعر السنوي وهو يبصقُ ألمَ رئتيه في مستشفى بمدينة الكويت.
أصابني الذهول وأنا أرى أميرًا سكسونيًا يطلب أكلةً عراقيةً عبارة عن صحنٍ من الرز المليء باللحم والبهارات، يُسمى في المتداول الشعبي (برياني)، وهي أكلةٌ ربما من أصولٍ هندية لكثرة ما يُوضع عليها من التوابل.
لم ينتبه أحد إلى غرابة ملابسه، وهي تُشبه ملابس أهل تبريز، حيث ثوبه المُزركش العريض وقبعته المدورة التي تُشبه كثيرًا قبعات الجنود البريطانيين الذين يجوبون اليوم شوارع المدينة، وفوقها ريشةٌ لتُميّز صنف الفوج الذي ينتمون إليه.
الأمير هاملت كانت فوق قبعته ريشة.
الذي لفت انتباهي أنه حرص كثيرًا على تقليد حركة الزبائن أثناء الأكل، ولأن من جاوره في المائدة كان فلاحًا بسيطًا لا يعرف الأكل بالملعقة بل بيديه، اضطر أن يفعل مثله وأن يأكل بأصابعه النحيفة البيضاء كسيقان طفلةٍ تأخذ درسًا في الباليه الروسي.
بدا المشهد كوميديًا وأنت ترى أميرًا من بلاطات كانتربري يأكل بيديه، كما يفعل ضيف العائلة اليابانية الغريب حين يُعطى أعوادًا ليتناول بها الرز.
ورغم هذا تجاوز حرجه وبدأ يستمتع شيئًا فشيئًا ويأكل بيديه، بل صار (يلطع) السمن المُسال بين أصابعه بلسانه كما يفعل القروي وهو يرسم بوجهه بهجة مشاعر غريبة، بهذه الحركة الشرقية التي رسم فصولها مُكتشفه شكسبير في تراجيديا أخرى تُدعى (عطيل).
الذي شغلني فيما سيحصل لهاملت هو عملية دفع الحساب وبأي عملة، حيث في زمنه لم يكن الجنيه الورقي موجودًا، لقد كانت هناك دنانير من ذهب وفضة، وحين سيدفعها سيُحدث غرابةً ولغطًا وربما سيثير عليه الشكوك ويتعرض لأمور كثيرة. لكنه فاجأني حين أخرج من جيب ثوبه الستاني العريض محفظةً وورقةً نقديةً مما يتداول به الإنجليز اليوم.
صاحب المطعم لم يلتفت حتى إلى وجهه وهيئته، بل أخرج من خزانة النقود حاسبةً صغيرةً وحسب بها فرق الجنيه بالنسبة لثمن الطعام من خلال سعر الصرف في سوق العملة الذي كان يعرفه تمامًا وأعطى الباقي للأمير. ولسعادته بورقة النقد الأجنبي طلب له شايًا على حساب المطعم، تناوله هاملت بفرحٍ غريب وكأنه يحتسي كونياكًا أو نبيذًا ويلزيًا كالذي كان يُقدَّم للأمراء في مراسم تنصيب الملوك الجدد.
لم أُكلّم الأمير الإنجليزي بل دلفتُ أسير وراءه وهو يتأمل المدينة ويسير بمحاذاة نهر العشار، ورأيت في عينيه تساؤلًا إن كان هذا النهر الذي يشق المدينة في أكثر من خاصرة هو ذاته الذي جرت عليه أحداث مسرحية شكسبير (تاجر البندقية)، بعد أن علم أن معظم البيوت البصرية ذات الواجهات الخشبية المزخرفة كانت سكنًا لليهود قبل تهجيرهم في خمسينيات القرن الماضي إثر قضية التفجيرات المقصودة وتهريب السلاح الخردة إلى فلسطين التي قام بها بعض التجار اليهود. وكان هاملت يعرف كل هذا لأنني رأيته يتأمل الفصول ذاتها مُدوّنةً في كتابٍ في يديه عنوانه (تواريخ البصرة الهائمة بين النخل والحزن والحسرة)، يُقال إن مؤلفه السندباد البصري البحار الشهير الذي قيل في بعض ما قيل إن شكسبير نفسه أخذ حكايات تراجيدياته من كتاب ألف ليلة وليلة التي كان السندباد أحد أبطالها في رحلاته السبع، وأن البصرة كانت أحد أمكنة هذه الحكايات.
آخرون نسبوا هذا الكتاب إلى الشاعر بدر شاكر السياب لأنه امتلأ بحسرة الجوع والشعر والمرض، لكن الحقيقة المعروفة أن مؤلف كتاب (تواريخ البصرة الهائمة بين النخل والحزن والحسرة) هو مؤلفٌ مجهول، كالذي كتب وألّف الكتاب الأسطوري ألف ليلة وليلة.
ربما تعب الأمير من سيره البطيء وقنصلته الستانية الحمراء تثير فضول المارة وهم يطلقون في وجهه ابتسامةً غامضةً تنتابها بعض الأحيان مشاعر الريبة والنظرات المتسائلة إن كان هذا الرجل النحيف بزيه الغريب رحّالةً أجنبيًا أم تاجرًا من شيراز أم ممثلًا ارتدى ملابس ملهاةٍ ما ليُصوّر ساعةً تلفزيونيةً في الهواء الطلق. ولأن المدينة تعوّدت على الغرباء منذ سيوف الزنج والقرامطة، فعدّته واحدًا من أولئك الذين مرّوا على تواريخ البصرة منذ زمن ما بعد التمصير وحتى زمن الممثل المدني لحكومة جلالة الملكة إليزابيث، بعد أن عاد الإنجليز مرةً أخرى بالجزمات القديمة للسير بيرسي كوكس المندوب السامي في العراق يوم احتل الإنجليز العراق لأول مرة في نهاية الحرب الكونية الأولى، يُعاونون المدينة في إلغاء عهد التغييب ونعوش بحيرة الأسماك ودموع نهر جاسم.
بقيتُ أسير خلف خطواته البطيئة، التي انتهت إلى شاطئ النهر حيث غاصت عيناه في تأملٍ عميقٍ للسفن الراسية والنهر العريض وغابات النخل التي فقدت الكثير من بريق كثافتها بسبب المدافع التي قطعت أعناقها بعمليات الحروب القاسية التي عانت منها البصرة كثيرًا.
لكنه مثل الذي كان على موعدٍ مع أحدٍ، راح يُبطئ الخطوات وهو يرنو بذهولٍ لتمثال البرونز لشاعر المدينة التي رسم لها حداثة الشعر الجديد عندما كتب قصيدته (هل كان حبًا) والتي عُدّت في تفعيلتها الجديدة تطويرًا لبناء الشعر العربي الحديث.
أمام تمثال السياب وقف الأمير هاملت.
الوقفة بدت صارمةً في شكلها الفكتوري، وقفةً تأملتُها من بعيد لأراها تحمل معاني للقاءٍ مقصود، وكأن الأمير كان على موعدٍ مع صاحب المعطف البرونزي، وهذه المرة لفت انتباهي أن هاملت كان يتمنطق سيفًا فيما كان الشاعر أعزلًا سوى يداه النحيفتان كأعواد البخور يمدها أمام وقفته الرتيبة باتجاه نقطةٍ ما لا تعني شيئًا يتعلق بما عايشه وخبره وتأسى من أجله. وطوال وقفة الأمير المشدودة كان يمسك بغمد السيف وكأنه يتهيأ لحركةٍ ما.
تضايقتُ من هكذا مشاعر، وتصورتُ أن أميرًا يحمل محنته الروحية في بناء كينونة وجوده إزاء هاجس الخيانة وخداع عاطفة الأم أن يعمد إلى الارتماء في أحضان التمثال وكسب ودّه بشيءٍ من سونيتات الحب وهدأة النفس والمواساة.
غير أن جسد البرونز لم يأبه كعادته وظل مثل كل مرة يُنصت لصوت الربابنة والنوتية وهم يطلقون غناءً بحريًا ممزوجًا بأفريقيةٍ مندثرة من زنجية عهد الرق والصراع مع أسماك القرش، فيما بقي سعف النخيل يهفهف بضوئه الأخضر على نومة شط العرب غير عابئٍ بنظرة الإغراء التي كان الجنود الإنجليز يطلقونها على بهجة المكان وهم يمرون في شارع الكورنيش راكبين مُدرعاتهم السميكة.
اقتربتُ من الأمير هاملت ووقفته بعد أن انتابتني مشاعر غامضة أن يحاول الأمير أن ينسى نفسه ويخط بنصل سيفه جملة ذكرى على جسد البرونز تخليدًا لهذا اللقاء.
غير أني وأنا أختبئ خلف جذع شجرة تمر هندي كبيرة كانت على مقربةٍ من نصب الشاعر، سمعتُ حوارًا دافئًا بين هاجسين متشحين بخيانةٍ ما. الشاعر بخيانة القدر له والنساء اللائي يطلبن منه كتابة غزلٍ عن بياض وجناتهن ودلال مشيتهن. والأمير هاملت جرّاء الخيانة العائلية القادمة من الثدي الذي شرب منه حليبه الملكي. وبين الخيانتين طُرحت الأفكار خرافة التكوين والصلة بين الكائن والمكنون عبر ما نتعرض له في محطات حياتنا.
هاملت: جئتُ إليك لأُدرك ما للحزن من وقيعةٍ مؤثرةٍ على كينونتنا.
السياب: تلك قدريةٌ لم تكن وليدة تجربتك يا أمير. السماء لحظة تُجابه أجفاننا النور أول مرة تكتب تحتها سيرتنا الذاتية وهذا لا تُغيّره أي قوادم. المكتوب على الجبين حتمًا ستراه العين، هذا ما قيل في مأثورٍ شعبي.
هاملت: ولماذا خياراتها تتقصّدنا نحن من نملك قلوبًا خاليةً من البُغض. لكنه الخيار يزرع البغض رغمًا عنا.
السياب: أنا لا أدّعي أني مُجابَهٌ ببُغض. إلا أنني جُوبهتُ بسوء طالعٍ وبتكوينٍ جسماني لا يسمح لي حتى بصناعة ابتسامةٍ جميلة.
هاملت: ولكنك تشتغل على هاجس الروح من خلال القصيدة وهذا يكفي لتكون جميلًا.
السياب: والفقر أيضًا، العوز، يدفعك إلى اليأس من أن القدر لن يبتسم لك ذات مرة وهذا ما حدث معي.
هاملت: ومعي أيضًا. الخيانة خنجرٌ أبدي لا يمكن أن يُمحى بممحاة كتابة، هكذا تقولون في الشرق.
السياب: أنا خانتني الحياة كلها ورغم هذا مشيتُ لأكون.
هاملت: أنا توقفتُ لكي لا أكون. وتلك معضلةٌ خلقت لدي أبديةً موزعةً على الكثير من البشر عبر كل ما يأتي من القادم والعصور. أنا لا أُحب السيد شكسبير لأنه فعل بي هذا.
دمعت عينا السياب وقال بخفوتٍ وتأسٍ: وأنا لا أُحب التدرن الرئوي لأنه فعل بي هذا.
هاملت: إذن عندكم بيتٌ عربيٌ شهيرٌ يقول: إنا غريبان هاهنا… وكل غريبٍ للغريب نسيب.
السياب: هذا ينطبق عليك أنت. أما أنا فلستُ بغريب. أنا أقف على أرضٍ وُلدتُ فيها.
أغمض هاملت عينيه وتراجع بشيءٍ من الخذلان. فيما كان صوت جندي بريطاني يعتلي برج دبابةٍ تكسر برعونةٍ إسفلت الشارع وهو يهتف:
هاي هاملت.. تعال معنا لنتناول شاي ما بعد الظهيرة……..!

لا يتوفر وصف للصورة.

اترك رد