منبر العراق الحر :
تطالعنا السرديات الفصائلية يوميا بشعارات طنانة تغلف وجودها برداء المقاومة والدفاع عن العقيدة والزهد والتقوى لكننا حين نضع تلك الشعارات جانبا وننظر إلى الواقع الميداني والاقتصادي لمعيشة المواطن يتكشف زيف هذه الأدبيات وتتحول السردية إلى غطاء أيديولوجي تدار تحته أكبر عملية استغلال واستنزاف لإنسانية الشاب العراقي وثروات بلاده!
يتوجب على كل مواطن وشاب أن يسأل نفسه بشجاعة اليوم عن طبيعة هذه المقاومة وضد من توجه ولصالح من يحمل هذا السلاح؟ إن شعار المقاومة الذي ترفعه الفصائل لم يثمر يوما بناء مدرسة ولا تشغيل مصنع ولا حماية سيادة بل أثبتت الوقائع أن هذا السلاح يستدعى فقط لحماية نفوذ سياسي وضمان استمرارية الروابط الجيوسياسية مع الخارج، فلا تنخدع حين يغلف القتال بعناوين مقدسة لأن الغاية الحقيقية كانت وما زالت تقديم العراق كقربان في معارك نفوذ الآخرين وتحويل أرضه إلى ساحة مصدرة للأزمات بدلا من أن تكون ورشة للبناء والازدهار!
إن الوعي الحقيقي يبدأ بفك الارتباط بين “المقدس” و”المصلحة السياسية”؛ فقد خُدعت أجيال حين أُوهِمَت بأن الولاء لسياسات الخارج هو امتداد للعقيدة، بينما الفارق شاسع بين الإيمان كقيمة روحية وبين مشاريع إدارة النفوذ الإقليمي التي تحمي حدودها على حساب دماء العراقيين! فحين تعيش عائلتك في ظلام دامس وتفتقر للماء الصالح للشرب بينما تتكدس أحدث الأسلحة في معسكرات الفصائل، فهذا ليس ابتلاء إلهيا، بل متاجرة صريحة بالفقر والعقيدة لإبقاء المجتمع خاضعا ومحتاجا! وفي الوقت الذي تكتنز فيه نخب الساسة وكبار قادة الفصائل الأموال والمنافذ الاقتصادية والعقارات والمشاريع المربحة بقوة هذا السلاح الموازي مستمتعين بالسلطة والنفوذ والرفاهية العالية يطلب من ابن الشارع العراقي البسيط أن يتجرع الفقر ويكتفي بالزهد وأن يقدم روحه مجانا! إن هؤلاء القادة الذين يتبجحون بالزهد والتضحية يعيشون وأبناؤهم في أعلى درجات البذخ بينما يستغلون حاجة الشباب وعوزهم لتجنيدهم في مغامرات خارجية تصور لهم على أنها واجب عقائدي أقدس بينما الحقيقة أن الشاب ينفذ أجندات تدار حساباتها في معزل تام عن مصلحته أو مصلحة وطنه!
وفي بلد يمثل الشباب فيه الكتلة الحيوية الأكبر عملت المنظومة الفصائلية والسياسية الموالية لها على إعاقة آفاق التنمية وخنق الطموح وبدلا من إتاحة البيئة الملائمة ليغدو الشاب العراقي مبتكراً أو مهندساً أو ريادياً تم حصره قسراً بين فكي البطالة والفقر أو الالتحاق بالسلاح لضمان راتب شهري! يتساءل أي عقل حر كيف يطلب من شاب يفتقر بيته للماء والكهرباء والخدمات الأساسية أن يقاتل ويضحي بحياته ليضمن رفاهية واستقرار غيره؟ ففي سوريا عام ألفين وأحد عشر جيشت العواطف بحجة حماية المرقد وخيضت معارك لحماية نظام سياسي ليظل الشاب العراقي يعاني الحرمان بينما “تدار المصالح الإقليمية فوق جراحه” واليوم نسأل هل كان المرقد مهدداً حقاً أم أن الشاب العراقي كان مجرد أداة في معادلة بقاء سلطة؟ ثم تتجلى السخرية والمأساة “بأوضح صورها” حين يزج بهذا الشاب العراقي في الحرب الروسية الأوكرانية، وهنا نسأل بكل مرارة: هل تقع في روسيا مراقد دينية ومقدسات أهل البيت ليطلب من الشاب العراقي الذهاب والقتال هناك كما ادعت الفصائل حين بررت قتالها في سوريا بحماية مرقد السيدة زينب؟ أم أن القضية برمتها مجرد تجارة بشر واستغلال لعوز الشباب وتأجيرهم كمرتزقة في حروب لا تمت للعقيدة ولا للعراق بأي صلة كي ينعم الشاب الروسي بالأمان ويستكمل دراسته وحياته؟ وفي الصراعات الإقليمية خاض الشاب معارك بالوكالة ضد دول الجوار ليظل الشاب في تلك الدول يكمل حياته “ويتمتع ببنيتها التحتية” بينما يحصد الشاب العراقي الموت والتهميش، فأليس هذا أقصى درجات الاستغلال لإنسانية الإنسان العراقي وكرامته؟ وتتجلى هذه التبعية بوضوح أعمق في القطاع الاقتصادي والطاقوي حيث تعيش البلاد مفارقة غير مسبوقة! ففي الوقت الذي يحرق فيه العراق مليارات المترات المكعبة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط تاركاً إياه يتطاير سموماً في أجوائه تعجز المحطات الوطنية عن توليد الطاقة، ويبيع العراق النفط الخام بأسعار عالمية ثم يعيد شراء البنزين والمشتقات المكررة والغاز بأسعار مضاعفة من دول الجوار مما يعكس سوء إدارة استراتيجياً وهدراً لمليارات الدولارات سنوياً كان يمكن أن تبنى بها مصانع ومستشفيات ومدارس! فحين يسأل الشاب العراقي نفسه بكل جرأة لماذا أعيش في بلد نفطي ينقطع عنه التيار الكهربائي عشرين ساعة يومياً وأقف في طوابير البنزين وأحرم من المياه الصالحة للشرب بينما يتحكم قادة الفصائل والساسة بالمقدرات والمليارات؟ فإنه يضع قدمه على أولى عتبات الوعي الحقيقي؛ ليدرك أن التجرد من الانتماء للمحاور المسلحة ليس تخليا عن المبادئ بل هو استعادة للكرامة الوطنية، وأن الشعارات البلاغية لا تبني أوطانا، والوعي يقتضي المطالبة باستعادة الدولة المستقلة التي تجعل من بناء الإنسان العراقي وحماية ثرواته الأولوية الأولى والأخيرة!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر