منبر العراق الحر :
قبل عشرة أعوام، تقريباً، صدر لي كتاب توثيقي مصوّر جمّع وقفات عند “ضفاف ذكريات” امتدت لنحو نصف قرن… واليوم، في هذا الخريف أعود ساعياً لإتمام توثيق بعض أحداث ووقائع، و”جردات” حساب لعقد من الزمان (2017 – 2026) مما كان ضمن المخطط له، والمؤمل منه، وما حصل. والغالب في ذلك شأن عام كما أحسب، وإن تبيّن أحياناً وكأنه في غير ذلك لمن يستعجل الأمور..
وعشية الخوض في الجولة الجديدة من هذا الاستعراض / التوثيق فاضت،، وما برحت، تساؤلات تلاحق شكل التخطيط للكتابة، أو البدء بها.. ولعل أبرزها صدىً هو: لمن نكتب؟.. ولماذا؟.. وبأي إطار؟.. وهل من الأفضل أن نسهب، أم نوجز؟.. وهل الأنسب: يوميات أو شهادات؟.. وهكذا نحار، ونحيّر القرّاء معنا، وخاصة أولئك الذين نتقصدهم أكثر من سواهم في الحديث والاستذكار.. وهنا، وبكل يقين، وضمن الحيرة والتساؤلات المباشرة، تدخل عوامل وتداعيات عدة تلعب دورها وتترك أثرها في اعتماد الشكل المناسب للكتابة المتوخاة؛ ومن بينها أمزجة الناس وأولوياتهم، ووقتهم المعصوف بسرعة الاتصالات ووسائلها، وطرق وتشابكات “الذكاء الاصطناعي”…
مع الناس، أفواجـــاً
من غير المعقول أن يرصد المرء ويكتب عن أحوال الدنيا والمحيط، ومساراته ومحطات انشغالاته العامة، دون أن يخلط هذا بذلك، إذ لا شأن خاص، ومهما بلغ الحرص، دون تداخله مع الشأن العام، الوطني، وتداعياته الإقليمية المباشرة طبعاً.. وهكذا دخلنا مع أفواج الناس لكي ندلي بما نتمكن منه، في تداعيات العقد الذي نُعنى به (2017- 2026) المليء بالأحداث والاستثناءات، مشتبكين ومتشابكين في متابعة الأحداث اليومية، والخوض في غمارها، كتابةً بالطبع، وذلك أوسط الإيمان
.. لقد اجتهدنا، وربما أصبنا (من يدري؟) حين اعتمدنا أسلوب كتابة حول تلكم المتلاطمات من الأحداث ارتأيناه نافذاً، ألا وهو طرح التساؤلات، وإثارة الانتباه، وإظهار أكثر من وجهة نظر واحدة… وكل ذلك من أجل تحريك الأذهان وترك اليباس والتحجر والجمود.. وإعلاء رفعة الحوارات وقيم الجدال المعرفي.. وقد رضي عن ذلك الأسلوب كثيرون، بينما رآه كثيرون أيضاً أنه هروب وتدرّع.. وهكذا ووفق المنطق ذاته جاءت المواقف بشأن الأحداث في المنطقة: الصراع مع إسرائيل.. الحرب مع وضد إيران.. قطاع غزة، الأوضاع في لبنان، شؤون اليمن… مع التأكيد على أن “أهل مكة أدرى بشعابها” كما يُفترض، وأن من غير الحكمة أن يقرر ويقيّم مقيمون ومرفهون في أوروبا – مثلنا – بديلاً عما يراه ويقرره ويهدف إليه “أهل الآن”، وكل ذلك بشكل عام طبعاً، ونسبي لحدود بعيدة..
ونستمر في مركز الجواهري … ومع “بابيلون”
نواصل في سنوات العقد الذي نستعرضه ونوثق له (2017- 2026) تراكمات معنوية كبيرة، ومادية (وليس مالية!) وفرتها مؤسستنا الإعلامية “بابيلون” التي انطلقت في براغ أواخر عام 1990 في مغامرة إعلامية: لا أول ولا شبيه آخر لها في بلاد التشيك، وتستمر، بل وتثمر أكثر، وهي تقترب اليوم من إتمام عامها السادس والثلاثين، لتبقى معلماً إعلامياً عربياً متفرداً، وكم كان لديه إمكانات أن يتطور أكثر فأكثر “لو”!!! ولن نزيد تفاصيل..
كما نوثق بأننا استمرأنا في النشاطات ضمن المتوفر والمتاح بالنسبة لمركز “الجواهري” الثقافي الذي تأسس عام 2002.. وكان من بين أهم الفعاليات غير التقليدية في ذلك العقد المعني: حفل مهيب ببراغ لاستذكار سنوية الرحيل العشرين للشاعر العظيم التي صادفت 27/7/2017… وتميز الاستذكار بفعالية نوعية وهي أن نصدر بالمناسبة كراساً توثيقياً شمل مواقف ورؤى وانطباعات عن الجواهري شارك فيه جمع كريم من مختصين ومثقفين وذوات متميزين، قارب عددهم الاربعين..
.. لقد شهدت سنوات العقد الذي نُعنى به (2017- 2026) مشاركة حيوية الجواهري في مرحلة استكمال متطلبات تحويل بيت الجواهري ببغداد إلى متحف لآثاره ومنجزه الثري، برعاية رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 2022.8.13 وقد جاءت هذه الفعالية تأكيداً واستمراراً لدور “المركز” بإطلاق مبادرة استملاك البيت من أمانة بغداد عام 2011 وذلك بعد أن عُرِض للبيع التجاري، وكادت الصفقة أن تنجح (بيعاً وشراءً تجارياً!!) لولا تدخلنا المباشر (ومعنا بثبات، ابن الجواهري الرابع، الدكتور كفاح)، واستطعنا منع “المهتمين” من إنجاح تلك الصفقة اللامسؤولة على أقل وصف..
.. كما تبرز أهمية الإشارة هنا، ولو سريعاً، إلى أن العقد الذي نوثق له شهد نجاح جهود سفير العراق لدى تشيكيا، فلاح عبد الحسن الساعدي، في أن يُقام نصب/ معلَم للجواهري في مدينة براغ صيف 2024 ليكون جسراً بين ثقافتين، ضمن فعالية افتتاحية مهيبة… وكذلك الاعتماد الرسمي لصورة الجواهري في مقهى “سلافيا” وسط براغ، وذلك مطلع عام 2023.. ومؤكد بأنه كان لنا – لمركز الجواهري – جهدٌ مناسبٌ ومكثفٌ في كلتا الفعاليتين..
علاقات ومشاركات وضيوف
لقد استمرت بل وتعززت علاقات ومواقع ونشاطات “بابيلون” الإعلامية، ومركز “الجواهري” الثقافي، وقد حمّلنا ذلكم الوضع مسؤوليات إضافية، تمثلت بحضور ومشاركات أكبر في الفعاليات الرسمية في براغ، العربية والتشيكية، الدبلوماسية والحوارية وغيرها، واستقبالات أكثر لمسؤولين وسفراء وعداهم للاطلاع على بعض ظروف ووقائع نشاطات المؤسستين: الثقافية والإعلامية وغيرها
.. وإذ ما زال الحديث والتوثيق نافذاً في هذه المجالات، لا بد وأن نشير أيضاً إلى أن مسارات مركز “الجواهري” ونشاطاته الثقافية، وكذلك مؤسسة “بابيلون” الإعلامية حتمت أن تقع على هاتين المؤسستين العربيتين الأوليين والأخيرتين من نوعيهما في براغ التزامات إضافية عديدة كالمشاركة في الفعاليات النوعية العامة خلال العقد الذي نوثق له، ومنها: ندوات حوارات الأديان السنوية برعاية وزارة الخارجية التشيكية. المشاركة والتنظيم الحيوي لمجريات لقاء عام 2018 للخريجين والدارسين العراقيين في تشيكيا. المشاركة في فعاليات يوم اللغة العربية في براغ 2024. المشاركة في إدارة نشاطات الجمعية التشيكية – العربية، ذلك إلى جانب سيمنارات أو اجتماعات حول النشاط الإعلامي والثقافي العربي في تشيكيا، وخارجها كما سيرد الحديث….
عراقيون من هذا الزمان
من المؤكد أن ثمة دوافع واهتمامات شخصية بالكتابة والتوثيق في الشأن العام وشخوصه، والعلاقات الاجتماعية التي ستبقى تؤرق الإنسانيين جميعاً برغم كل مشاغل الدنيا.. وهكذا توالت واستمرت كتابة ونشر عشرات المواضيع خارج شؤون “بابيلون” الإعلامية، ومركز الجواهري الثقافي، خلال أعوام عقدنا (2017- 2026) شملت توثيقات، أو خلاصات وانطباعات شخصية، تراكمت لسنوات، بل وعقود عديدة، وبشكل رئيسي عن ذوات وشخصيات لم تأخذ حقها في التأرخة المناسبة، بحسب مزاعم نتبناها. وكان التسلسل الزمني الذي جاء به نشر تلك التوثيقات الشخصية كالتالي: علي جواد الراعي، وليد حميد شلتاغ، حميد مجيد موسى، خالد العلي، عبد الحميد برتو، موفق فتوحي، عبد الإله النعيمي، شيرزاد القاضي، إبراهيم خلف المشهداني، عدنان الأعسم، جبار عبد الرضا سعيد، فيصل لعيبي، محمد عنوز… وهادي رجب الحافظ.. ثم تلت ذلك حلقات أخرى: الحلقة الخامسة عشرة عن صادق الصايغ، وبعدها عن صلاح زنكنه، عباس الكاظم، هادي راضي، ناظم الجواهري، ليث الحمداني، مهند البراك، كمال شاكر، حسون قاسم زنكنة، قيس الصراف، محمد الأسدي، كفاح الجواهري… والسابعة والعشرون عن فخري كريم… وآخرها عن علاء صبيح، في منتصف أيلول 2026، وجميعها كُتبت دون معرفة أصحابها، ولم يكن لهم أي اطلاع على ما احتوته من تفاصيل، وقد نُشِرت كلها في العديد من وسائل الإعلام
كتابات واصدارات
وإذا كان ما سبق ذكره، وما سيليه، من نشاطات لنسمها مؤسساتية، وشخصية، فثمة كثير آخر مما شهدته السنوات العشر التي نوثق لها (2017 – 2026) يأتي في إطار الجهود الذاتية والرغبات في البحث والكتابة والسعي للتنوير.. ومن بين ذلك ما يقع في صميم اهتمامنا ومشروعنا الثقافي، وأعني به الجواهري وحياته وعوالمه وأثره..
وفي إطار ما حملته السطور السابقة، نوثق أن عقدنا (2017-2026) شهد أيضاً زيادة ملحوظة في النشاطات والإصدارات كماً ونوعاً؛ منها عام 2025 كراس مصور بالتشيكية عن بعض مسارات حياتية وعملية في براغ، وكتيب/ ألبوم ضم نحو 100 صورة وخلاصات بالعربية عنها وعن فعاليات وضيوف ونشاطات “بابيلون” بمناسبة حلول عامها الخامس والثلاثين عام 2026.. ثم وقبل أسابيع معدودة فقط، إصدار ألبوم/ كتيب أنيق عن الجواهري ومحطاته وعلاقاته منذ قرن كامل (1926-2026.. وكذلك كان حال الإصدارات المصورة “فيديوهات” أو الصوتية، ومنها: “الجواهري في صور وكلمات” للفنان آدم كدام، واخران:عن “بابيلون” عام 2021، وعن مركز “الجواهري” عام 2022 أخرجهما الفنان فارس شوقي.. ومداخلة عن الجواهري عبر الفيديو الصوتي المباشر مع جمع من طلبة جامعة طشقند بإشراف د. أحمد جاسم الزبيدي.. كما تم إنتاج فيديو آخر أخرجه الفنان أحمد السبيعي مشاركة منا في فعالية رفيعة عن “الجواهري” بالفجيرة الإماراتية بعد أن اعتذرنا عن المشاركة فيها بالحضور الوجاهي… أما آخر نشاط من هذا النوع فكان بثاً صوتياً لمهرجان الجواهري الثالث عشر في مدينة سيدني الأسترالية خلال آب الماضي…
——————————————- *رواء الجصاني / أيلول 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر