«مَن يرمش أولًا؟» هرمز طاولة التفاوض في نيويورك …. الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي ….

الجديد ليس استمرار الحرب الأميركية–الإيرانية؛ فالحرب أصبحت خلفية ثقيلة للمشهد. الجديد أن مضيق هرمز نفسه انتقل من جغرافيا الصراع إلى مادة التفاوض على إنهائه. ففي نيويورك تبحث واشنطن وطهران صيغة مرحلية تربط إعادة فتح المضيق بتخفيف الضغط العسكري والاقتصادي الأميركي على إيران. وكانت طهران قد أبدت استعدادها لإعادة فتحه مقابل تخفيف الضغط ورفع الحصار عن موانئها، فيما أكد الرئيس ترامب استمرار المحادثات. لم يعد هرمز ماءً تمر فيه الناقلات فقط؛ بل أصبح إحدى العملات التي يتفاوض بها الطرفان على شروط الخروج من الحرب.

وهنا تولد معادلة «مَن يرمش أولًا؟». واشنطن لا تريد التخلي عن الحصار قبل أن ترى المضيق مفتوحًا، وطهران لا تريد فتحه ثم تكتشف أنها سلّمت أقوى أوراقها قبل قبض المقابل. العقدة ليست في فتح هرمز، بل في ترتيب المفاتيح: مَن يقدم أولًا، ومَن يضمن ألا يحوّل الآخر تنازله إلى ورقة عليه؟ ولهذا تبقى المسافة بين الطرفين كبيرة رغم عودة التفاوض.

وزاد محسن رضائي العقدة وضوحًا عندما وضع، بحسب تصريحاته الأخيرة، مهلة أربعة إلى خمسة أيام أمام واشنطن للاستجابة للشروط الإيرانية المتعلقة بإعادة فتح المضيق، رابطًا استمرار التفاوض بتحققها من دون أن يحدد ماهية «الخطوة التالية» إذا انتهت المهلة بلا اتفاق. وهنا تتحول الساعة نفسها إلى جزء من التفاوض: ليست هناك أوراق على الطاولة فحسب، بل زمن يجري استهلاكه أمام الطرفين.

ومن هذه الزاوية يتغير السؤال القديم. لم يعد: هل تستطيع إيران إغلاق هرمز؟ ولا فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة فتحه بالقوة؟ فالقوة تستطيع تغيير الوقائع العسكرية، لكنها لا تضمن وحدها ممرًا طبيعيًا وآمنًا ومستدامًا. السؤال الأثقل أصبح: هل تحول هرمز إلى عملة التسوية التي ستحدد شكل نهاية الحرب؟ وحين تصبح الجغرافيا جزءًا من ثمن السلام، يصبح التفاوض على النظام الذي سيحكم اليوم التالي، لا على وقف النار وحده.

والأرقام تجعل الجغرافيا تتكلم. فقبل الحرب كان المضيق يشهد في المتوسط نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميًا؛ وفي 21 أيلول لم تسجل البيانات الأولية التي نقلتها Reuters سوى سفينتين محملتين بالسلع، مع احتمال عبور سفن أغلقت أجهزة التعريف. وفي المقابل أصبحت أسعار النفط تتحرك مع كل إشارة تفاوضية من نيويورك؛ لأن فتح هرمز يعيد تسعير الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، لا حركة السفن وحدها.

ثم يظهر البترولاين السعودي في الشريط التالي. خط شرق–غرب، الذي ينقل النفط إلى ينبع على البحر الأحمر، ليس مجرد أنبوب؛ إنه طريق هندسي لتجاوز هرمز. وكان ينقل قبل الهجوم قرابة أربعة ملايين برميل يوميًا، فيما تبلغ طاقته نحو سبعة ملايين، قبل أن تتضرر ثلاث محطات ضخ ويُعاد تشغيله جزئيًا. وكلما ارتفعت قيمة هرمز كورقة إيرانية، ارتفعت قيمة كل طريق يستطيع تجاوزه؛ فالجغرافيا التي تمنح القوة تستطيع الجغرافيا البديلة أن تخصم منها. أما دوافع استهداف الخط فتبقى مسألة مستقلة تحتاج إلى دليل.

ومن ينبع يمتد الشريط إلى العراق. واشنطن سمّت كتائب حزب الله العراقية في اتهامها بالهجوم على الخط السعودي، واستحضر ماركو روبيو في الوقت نفسه التزام الولايات المتحدة تجاه المملكة. لا نملك دليلًا علنيًا يسمح بربط الهجوم سببيًا بمفاوضات هرمز، لكننا نملك واقعة جغرافية ثقيلة: العراق دخل إلى جوار هرمز وينبع في أزمة واحدة تتشابك فيها حرية الملاحة وأمن الطاقة وسيادة الدول.

ثم تدخل بكين فتكبر الطاولة. الصين تريد هرمز مفتوحًا، وقد دعا وزير خارجيتها وانغ يي إلى ضمان أمن الممرات الدولية واستقرار نقل الطاقة والعودة إلى التفاوض؛ لكنها تضع ذلك داخل تصور أوسع عبّر عنه شي جين بينغ بـ**«عالم متعدد الأقطاب متساوٍ ومنظم»**، ودعوته إلى أمن إقليمي مشترك وتعاوني ومستدام. وبصياغة استراتيجية: بكين تريد الممر مفتوحًا، لكنها ترى إدارته داخل التفاوض والتعددية، لا بوصفه شأنًا ثنائيًا مغلقًا بين واشنطن وطهران.

وهنا تظهر مفارقة هرمز: مضيق ضيق جغرافيًا أصبح واسعًا بما يكفي لاستيعاب تصورات مختلفة للنظام الدولي. إيران تراه ورقة سيادية وردعية مرتبطة بأمنها وحقوقها؛ الولايات المتحدة تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية لا ينبغي لطرف واحد التحكم بها؛ والصين، بوصفها قوة كبرى ومستوردًا ضخمًا للطاقة، تريد انسياب الممر ضمن نظام لا يحتكره قطب واحد.

وتدخل باريس ومجلس الأمن على الشريط نفسه. فرنسا تبحث، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مشروعًا يتعلق بحماية حرية الملاحة في هرمز بعد تعثر مسار سابق أمام مواقف صينية وروسية. وهنا يخرج السؤال تدريجيًا من الثنائية الأميركية–الإيرانية: هل يصبح أمن هرمز نتيجة صفقة بين واشنطن وطهران، أم جزءًا من ترتيب دولي أوسع لا يستطيع أي طرف امتلاك مفتاحه منفردًا؟

وهكذا يكتمل جامع الشرائط الجغرافي: نيويورك تتفاوض، واشنطن تمسك بالحصار، طهران بورقة المضيق، ينبع يحاول الالتفاف عليه، العراق يدخل من بوابة المسيّرات، بكين تستحضر التعددية، وباريس تنقل السؤال إلى مجلس الأمن. ليست هذه سلسلة سببية واحدة ولا غرفة عمليات واحدة؛ إنها جغرافيات مختلفة التقت عند نقطة ماء واحدة.

ولذلك ربما لا تكون المفاوضات الجارية مجرد بحث عن كيفية إنهاء الحرب، بل بداية البحث عن قواعد اليوم التالي لهرمز: من يضمن الملاحة؟ من يستطيع تعطيلها؟ وما الذي يمنع تحويلها مجددًا إلى ورقة حرب؟

عندها يصبح «مَن يرمش أولًا؟» أكبر من لعبة أعصاب بين واشنطن وطهران. فالذي يرمش أولًا قد يخسر جزءًا من ورقته؛ لكن الذي يرفض أن يرمش قد يكتشف أن الآخرين بدأوا يبنون طرقًا وترتيبات تقلل قيمة الورقة نفسها.

لم يعد هرمز مجرد مضيق تنتظر الناقلات الإذن لعبوره؛ لقد أصبح طاولة يجلس حولها من يريد كتابة قواعد اليوم التالي. والسؤال لم يعد: مَن يفتح هرمز؟ بل مَن سيملك، بعد انتهاء الحرب، حق تعريف معنى أن يكون هرمز مفتوحًا؟

26 أيلول / سبتمبر 2026

اترك رد