*رؤية بغداد للتكامل الإسلامي* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…. كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي….
افتتح رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يوم السبت 17 تشرين الأول 2026، أعمال الدورة الجديدة لمجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الاسلامي، متسلماً رئاسة المجلس من الجمهورية التركية، في اجتماع يستعيد من خلاله العراق موقع بغداد على خريطة الدبلوماسية الإسلامية، بعد نحو 45 عاماً على استضافتها اجتماعات المنظمة عام 1981.
استضافة بغداد لهذه الدورة، تمثل فرصة سياسية واقتصادية أمام العراق لإعادة تقديم دوره في محيطه الإسلامي، وفتح الزيدي نقاش جدي حول قدرة الدول الإسلامية على الانتقال من التضامن في مواجهة الأزمات إلى بناء مصالح استراتيجية مشتركة.
كما تكتسب هذه الدورة أهميتها من طبيعة الملفات المطروحة، التي تجمع بين القضية الفلسطينية، ومكافحة الإرهاب، ومواجهة الإسلاموفوبيا، والأمنين المائي والغذائي، والتعاون الاقتصادي والتجاري، في ظل تحديات إقليمية ودولية تفرض على الدول الإسلامية مراجعة أدوات تعاونها وآليات تأثيرها.
*أولاً: فلسطين واختبار وحدة الموقف الإسلامي*
تتصدر القضية الفلسطينية جدول أعمال الاجتماعات، بما تتضمنه من قضايا التهجير والاستيطان ومحاولات تهويد القدس، فضلاً عن التداعيات الإنسانية والسياسية لما يجري في غزة.
وتكمن أهمية الموقف الإسلامي المشترك في قدرته على تحويل المواقف السياسية المعلنة إلى إجراءات عملية، تشمل تنسيق التحركات الدبلوماسية، وتعزيز الدعم الإنساني، وتوحيد المواقف داخل المؤسسات الدولية، وتفعيل الأدوات القانونية المتاحة لحماية حقوق الشعب الفلسطيني.
غير أن التحدي الأساسي لا يتعلق بمدى الاتفاق على عدالة القضية الفلسطينية بقدر ما يتعلق بقدرة الدول الأعضاء على تجاوز اختلاف حساباتها الوطنية والإقليمية، وبناء موقف مشترك يستند إلى آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة.
ومن هنا، فإن نجاح اجتماعات بغداد ينبغي ألا يُقاس فقط بما يصدر عنها من بيانات، بل بما تستطيع الدول المشاركة تحويله إلى خطوات قابلة للقياس في المحافل الدولية.
*ثانياً: من التضامن السياسي إلى التكامل الاستراتيجي*
حمل خطاب رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي أمام رؤساء الوفود الإسلامية رؤية تتجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي، إذ ربط بين وحدة الموقف الإسلامي ومتطلبات التنمية الاقتصادية والأمن المشترك. وأكد أهمية تعزيز التواصل بين الشعوب الإسلامية، وتوحيد الخطاب إزاء المخاطر التي تواجه الأمة، وفي مقدمتها ما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة.
وتكمن أهمية الخطاب في انتقاله من التضامن السياسي إلى طرح رؤية لتوظيف الإمكانات الاقتصادية للعالم الإسلامي، بما يمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية وموارد طاقة وممرات مائية استراتيجية، لم تتحول بعد إلى مستوى التكامل المنشود.
ويطرح ذلك تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن للدول الإسلامية تحويل مواردها وأسواقها وطاقاتها البشرية إلى قوة مشتركة تعزز مصالحها وتحد من تبعيتها الاقتصادية؟
إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب تجاوز التنسيق السياسي الموسمي نحو بناء مؤسسات ومشروعات اقتصادية مشتركة، تقوم على المصالح المتبادلة، وتكامل الإنتاج والطاقة والنقل، وتضمن استدامة التعاون بين الدول الإسلامية.
*ثالثاً: المبادرة العراقية.. بناء شبكة للمصالح المشتركة*
طرح الزيدي مبادرة اقتصادية تقوم على إنشاء منصة لمنتجات الدول الإسلامية، تتيح عرض القدرات الإنتاجية وتعزز التبادل التجاري، من خلال ربط المنتجين والمستثمرين والمستوردين، وتوفير بيانات عن احتياجات الأسواق والفرص الاستثمارية والقدرات الصناعية والزراعية.
كما أكد أهمية التكامل في مجالات القوى العاملة وأمن الطاقة، وربط شبكات الطاقة والسكك الحديدية ووسائل النقل والاتصالات الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون بين المناطق الصناعية.
وتكمن أهمية هذه المبادرات في نقل العلاقات الإسلامية من التنسيق السياسي التقليدي إلى بناء شراكات اقتصادية وإنتاجية مستدامة. إذ يسهم التكامل في الطاقة في تعزيز أمن الإمدادات، ويخفض الربط السككي والنقل تكاليف التجارة، فيما تتيح الاتصالات الرقمية تسهيل الاستثمارات والخدمات، ويساعد التعاون الصناعي على بناء سلاسل إنتاج مشتركة وتوفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة للموارد الطبيعية.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، يحتاج العراق إلى خريطة طريق واضحة تحدد الدول المشاركة والقطاعات ذات الأولوية والتمويل والجدول الزمني وآليات التنفيذ ومؤشرات قياس النتائج، بما يجعل المبادرة مشروعاً اقتصادياً قابلاً للتطبيق والتوسع بين الدول الإسلامية.
*رابعاً: البطالة والأمن المشترك.. تحديات تتجاوز الحدود*
لفت الزيدي إلى وجود نحو 400 مليون مسلم عاطل عن العمل، وفق الرقم الذي أورده في خطابه، داعياً إلى التكامل في مجال القوى العاملة.
ويستدعي هذا الرقم التعامل مع قضية البطالة باعتبارها تحدياً تنموياً عابراً للحدود، مع ضرورة تحديد مصادره وتعريف الفئات التي يشملها، لأن معدلات البطالة تختلف بين الدول والفئات العمرية ومستويات التعليم.
ويمكن للتعاون الإسلامي أن يسهم في معالجة هذه المشكلة من خلال برامج التدريب المهني المشتركة، والاعتراف المتبادل بالمؤهلات، وتسهيل انتقال العمالة وفق الأطر القانونية، وربط التعليم باحتياجات أسواق العمل، وتشجيع الاستثمارات التي تولد فرص عمل مستدامة.
وفي الجانب الأمني، أكد رئيس الوزراء أهمية أن يكون أمن الدول الإسلامية مشتركاً، مع التشديد على التعاون في مكافحة المخدرات التي تهدد الشباب والمجتمعات. وتفرض هذه الدعوة تطوير آليات تبادل المعلومات، والتعاون في مكافحة شبكات التهريب والتمويل غير المشروع، وتعزيز الرقابة على الحدود، إلى جانب معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الشباب عرضة للاستغلال.
ولا يعني الأمن المشترك بالضرورة إنشاء ترتيبات موحدة لجميع الدول، بل يمكن أن يبدأ بتنسيق عملي يحترم سيادة كل دولة، ويحدد مجالات التعاون ومسؤوليات الأطراف المشاركة.
*خامساً: كيف يوظف العراق استضافة بغداد؟*
تمنح رئاسة العراق للدورة الحالية فرصة لربط حضوره الدبلوماسي بأولويات اقتصادية وتنموية قابلة للتنفيذ. غير أن استثمار هذه الفرصة يتطلب عملاً يتجاوز نجاح التنظيم والاستضافة.
أولاً: ينبغي أن يتبنى العراق متابعة مؤسسية لمخرجات الاجتماعات، من خلال تشكيل فريق وطني يتولى التنسيق مع الدول الأعضاء والأمانة العامة للمنظمة، ومتابعة تنفيذ المبادرات التي تحظى بالتوافق.
ثانياً: يمكن للعراق أن يقدم نفسه مركزاً للربط التجاري واللوجستي بين دول المنطقة، مستفيداً من موقعه الجغرافي، بشرط تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة والخدمات الرقمية، وتحسين البيئة الاستثمارية.
ثالثاً: ينبغي تحويل منصة المنتجات الإسلامية المقترحة إلى مشروع تجريبي يبدأ بعدد من القطاعات، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والبتروكيماوية، ثم يتوسع وفق النتائج المتحققة.
رابعاً: يمكن لبغداد إطلاق مسار للتعاون في التدريب والتشغيل، يربط المؤسسات التعليمية والمهنية باحتياجات الدول المشاركة، ويشجع الاستثمارات العابرة للحدود.
خامساً، يتطلب نجاح الدور العراقي الحفاظ على التوازن في علاقاته الإقليمية، وتوظيف الدبلوماسية لبناء مساحات للتفاهم، من دون تحميل رئاسة المنظمة وعوداً تتجاوز صلاحياتها أو قدراتها المؤسسية.

اترك رد