منبر العراق الحر :
1 ـ علبة روثمان
كان شتاء بغداد عام 1993 قاسياً، لكنّ البرد لم يكن أشدّ ما ينهش الناس في تلك الأيام.. , كان الجوع أسبق منه إلى الأجساد، والخوف أقدر منه على التسلّل إلى البيوت.
في تلك الليلة من كانون الثاني، توقّف المطر قبل قليل، وبقيت الشوارع موحلة، تتجمّع المياه في الحفر، وتعكس مصابيحها الصفراء على هيئة بقعٍ مرتجفة.. , كانت واجهات المحال مغلقة، والناس يعبرون الأرصفة بخطوات سريعة، كأنّهم يخشون أن يتأخروا عن موعدٍ لا يعرفونه.
كنت أمشي في الشارع وأدخّن سيجارةً ملفوفةً بتبغٍ رخيص وورقٍ أرقّ من أن يحتمل النار.. , لم أكن أدخّن لأنني أحبّ التدخين؛ كنت أحتاج إلى شيءٍ أشغل به يديّ، وأخفي به ارتجاف أصابعي من البرد.
في جيبي علبة سجائر «روثمان» فارغة، احتفظت بها منذ أن تركها أحد الأثرياء بعد زيارةٍ عابرة لبيتنا.. , كان قد أخرج منها آخر سيجارة، ثم رماها بين الأشياء التي لم تعد تعنيه.. , التقطتُها، ومسحتُها، وملأتُها بسجائر اللفّ التي أصنعها بنفسي.
كنت أحملها أحياناً في يدي، لا لأنّ ما بداخلها يستحقّ التباهي، بل لأنّ منظر العلبة كان يمنحني وهماً صغيراً بأنني ما زلت أملك شيئاً من حياةٍ قديمة.. , علبة فاخرة من الخارج، وتبغ بائس في الداخل؛ وربما كانت تلك صورةً مناسبةً للبلد كلّه.
كنت أخفي السيجارة في راحة يدي كلما مرّ بي أحد، وأدخّنها بحذر، كأنّ الفقر عيبٌ ينبغي ألّا يراه الآخرون.
سمعت صوتاً خلفي: نارك، يا أبا الشباب.
التفتُّ.. , كان شاباً أعرف وجهه من المنطقة، وإن لم تكن بيننا معرفة حقيقية. رأيته مراتٍ في الشارع، وعند بعض المحال، لكننا لم نتبادل حديثاً من قبل. كان أكبر مني ببضع سنوات، نحيل الجسد، يرتدي معطفاً داكناً بدا أوسع قليلاً من كتفيه. في وجهه تعبٌ لا يناسب عمره، وفي ابتسامته شيءٌ متردّد، كأنّها تبدأ ثم تتراجع.
وكانت بيدي علبة «الروثمان»، وبيدي الاخرى سيجارةً ملفوفة ( لف ) .
نظر إلى العلبة، ثم إلى السيجارة في يدي، وقال مبتسماً:
ـ يبدو أنّ الروثمان عندك لا ينفد!
ضحكت وقلت: الروثمان من الخارج، أمّا الداخل فالله أعلم بما فيه.
أخذ السيجارة، وأشعلها من سيجارتي.. , سحب نفساً قصيراً، ثم أعاد إليّ سيجارة اللف .
قلت مازحاً: أين اللفّ وأين الروثمان؟
ضحك، وقال: المهم أن تكون النار موجودة.
ثم نظر إلى الشارع، وأضاف: الله كريم.
لم تكن جملةً غريبة.. , كنا نسمعها في كل مكان: عند بائع الخضار، وفي طابور الخبز، وبين موظفين يتحدثون عن رواتبهم، وأمام صيدلية يعجز صاحبها عن توفير الدواء.. , لكنها بدت في فمه تلك الليلة كأنّها خاتمة حديثٍ أطول لم يقله.
سألته: ما اسمك؟
قال: سرمد.. , ثم ذكر اسم عائلته: الدليمي.
تبادلنا كلماتٍ قليلة عن البرد وغلاء السجائر، وسألني إن كنت أسكن قريباً.. , أشرت إلى آخر الشارع، فأومأ برأسه وقال إنه يعرف المكان.
وقبل أن يمضي، التفت إليّ وقال: احتفظ بعلبتك هذه.. , قد يأتي يومٌ لا تجد فيه حتى ما تملؤها به.
لم أعرف يومها إن كان يمزح أم يتحدث بجدّية.. , ضحكت، فابتسم ومضى.
ظللت أراقبه حتى ابتلعه آخر الشارع.. , ثم نظرت إلى علبة السجائر في يدي، وأعدتُها إلى جيبي.
لم أكن أعرف أنّني سأراه بعد أيام، لا ماشياً على الرصيف، بل محمولاً على أكتاف الرجال.
2 ـ جنازتان
بعد أيام قليلة، استيقظت المنطقة على خبر وفاة رجلين.
كان أحدهما سرمد، والآخر جاراً لنا اسمه محمد الدليمي.. , قيل إنهما كانا يعملان في جهازٍ أمني، وإنّ ظروف وفاتهما لم تكن طبيعية.. , لكنّ الأخبار وصلت متقطّعة، متناقضة، ومحمّلةً بما يكفي من الخوف كي لا يجرؤ أحد على التحقق منها.
خرجت إلى الشارع، فرأيت الرجال يتجمعون أمام البيوت.. , كانت النساء يبكين خلف الأبواب والنوافذ، فيما وقف بعض الجيران على مسافةٍ من المشهد، لا يقتربون كثيراً ولا يبتعدون تماماً.
كان هناك نعشان.
اقتربت من أحد الرجال وسألته بصوتٍ خفيض:
ـ من المتوفّى الآخر؟
قال: محمد الدليمي.
ثم سكت، كأنّه أدرك أنّه قال أكثر مما ينبغي.
لم أستطع أن أرفع عيني عن النعش الذي قيل إنّ سرمد فيه.. , تذكّرت معطفه الداكن، وابتسامته المتردّدة، والسيجارة التي أشعلها من سيجارتي.. , لم يكن في ذاكرتي عنه ما يكفي لأقول إنني عرفته، لكنّ تلك المعرفة القليلة جعلت موته أقرب إليّ من أخبار الموت التي نسمعها كل يوم.
كانت الروايات تتكاثر حول الرجلين.
قال بعضهم إنّ أحدهما عُثر عليه مقتولاً في مكتبٍ أو شقّةٍ كانوا يجتمعون فيها.. , وقال آخرون إنّ خلافاً نشب بينهما وبين أشخاصٍ آخرين، وإنّ الأمر بدأ بسبب سرقة أجهزة تكييف من احدى الدوائر الحكومية .. , وتحدّثت رواية ثالثة عن مشاجرةٍ داخل الدائرة انتهت بإطلاق النار.
لم تكن هناك رواية يمكنني أن أتحقق منها.. , كلّ ما كان يصلني همساتٌ تتبدّل تفاصيلها من مجلسٍ إلى آخر.
أما العبارة التي تكررت على ألسنة الناس فكانت واحدة: «سكتة قلبية».
سمعتها أول مرة من رجلٍ كان يقف قرب باب أحد البيوت.. , قالها وهو ينظر إلى الأرض، ثم مضى كأنّه أتمّ واجباً لا يريد العودة إليه.
كدت أضحك من مرارة العبارة، لكنّ الضحك لم يخرج.
لم تكن السكتة القلبية نكتةً في تلك اللحظة.. , كان هناك جثمانان، وأمّهاتٌ ينتظرن تفسيراً، وأطفالٌ لا يفهمون لماذا لن يعود أبواهم، وأناسٌ يتناقلون أخباراً لا يعرفون مقدار صحتها، ثم يتراجعون كلما اقترب الحديث من السؤال الحقيقي.
سمعت رجلاً يقول لآخر:
ـ كلّ من يعمل مع هؤلاء الظالمين ، فليتوقع هذه النهاية.
لم ألتفت إليه، لكنّني سمعت ما قاله بعد ذلك: يقولون إنّهم كانوا يجتمعون في مكانٍ خاص، وإنّ خلافاتٍ كثيرة كانت تحدث بينهم، وإنّ بعض أصحاب النفوذ لا يتورّعون عن فعل أي شيء.
سأله الآخر: وهل تعرف أنّ هذا ما حدث؟
ردّ الرجل: لا أعرف.. , لكنّ الناس تتحدث.
كانت تلك الجملة، على بساطتها، أكثر صدقاً من كلّ الروايات التي سبقتها.
الناس تتحدث، لكنها لا تعرف.. , تخاف، لكنها لا تستطيع الصمت تماماً.. , تبحث عن تفسيرٍ للموت، فتلتقط أيّ روايةٍ تمنحها شعوراً مؤقتاً بأنها فهمت ما جرى.
وقفت عند طرف الشارع، وأخذت أراقب النعشين وهما يبتعدان.
لم يكن أكثر ما أخافني أن يكون الرجلان قد قُتلا؛ فقد كنت أسمع عن الموت كل يوم.. , ما أخافني هو أن يموت الإنسان، ثم يصبح الحديث عن موته خطراً آخر يهدّد الأحياء.
في البلدان التي تحترم مواطنيها، تبدأ الأسئلة بعد الموت.. , أمّا في بلدنا، فقد كانت الأسئلة نفسها تحتاج إلى إذنٍ كي تولد.
3 ـ السؤال الذي لم أطرحه
في المساء، جلست مع أبي في غرفة الاستقبال.
كانت المدفأة النفطية الصغيرة تصدر طقطقةً متقطعة، وتملأ المكان برائحة الوقود.. , وضعت أمي إبريق الشاي على الطاولة، ثم عادت إلى المطبخ.. , تناول أبي علبة السكر الصغيرة ، حرّكها قليلاً، وأعادها إلى مكانها.
قال: سنشربه من دون سكر اليوم.
لم أعترض.. , لم يعد السكر من الأشياء التي نستخدمها من غير حساب.
ظللت صامتاً حتى صبّ أبي الشاي، ثم قلت: هل رأيت الجنازتين اليوم؟
أجاب: رأيتهما.
ـ يقولون إنّ الرجلين قُتلا.
رفع عينيه إليّ.
ـ ومن قال ذلك؟
ـ الناس.. , يقولون إنّ هناك إطلاق نار، وإنّ خلافاً وقع في الدائرة أو الشقة الخاصة .
أمسك قدحه، ثم أعاده إلى الطاولة من دون أن يشرب.
ـ لا تصدّق كلّ ما تسمعه، ولا تسأل عن كلّ ما لا تعرفه.
قلت بانفعال: وماذا نفعل إذن؟ يموت رجلان، وتظهر روايات متناقضة، ثم يقال إنّهما ماتا بسكتة قلبية، ونظلّ نحن ننتظر؟
نظر إليّ طويلاً، ثم قال: يا بُنيّ، أتريد أن تعرف الحقيقة، أم تريد أن تعيش؟!
لم أجد جواباً.
كان أبي موظفاً قديماً، شهد حروباً وانقلابات وتبدّل الشعارات.. , لم يكن جباناً، لكنه تعلّم من السنين أن الكلمة قد تتجاوز صاحبها، وأنّ الرأي الذي يقال في غرفةٍ مغلقة قد يجد طريقه إلى مكانٍ لم يقصده صاحبه.
قال بعد لحظة:هناك من يملك السلاح، وهناك من يملك المنصب، وهناك من يجمع بينهما.. , وإذا غضب أحدهم، فقد لا يقف الأمر عند توبيخ موظفٍ أو نقله من دائرة إلى أخرى.. , قد يدفع البيت كلّه ثمن خلافٍ لم يكن له فيه ذنب.
قلت: لكنّ الدولة يفترض أن تحمي الناس.
ابتسم ابتسامةً قصيرة.
ـ الدولة التي تحميك بالقانون لا تجعلك تخاف من باب بيتك.. , أمّا إذا صار الناس يخشون السؤال عن موت جيرانهم، فاسأل نفسك: أين ذهبت الدولة؟
سكت قليلاً، ثم أضاف: المشكلة ليست في أن يموت الإنسان وحده.. , المشكلة أن يكون من يملك القوة قادراً على أن يفرض على الناس كيف يفسّرون موته.
لم أنسَ تلك العبارة.
في تلك الليلة، أدركت أنّ السلطة لا تحتاج دائماً إلى أن تمنع الناس من الكلام بالقوة.. , يكفي أن تجعلهم يتوقعون العقوبة قبل أن يتكلموا، حتى يتولّوا هم إسكات أنفسهم.
4 ـ الدكّان والمقهى
في اليوم التالي، ذهبت إلى دكان أبي فاضل.
كان رجلاً تجاوز الخمسين، يبيع السجائر والشاي والسكر وبعض الحلوى الرخيصة.. , يعرف أخبار المنطقة، لا لأنه يطاردها، بل لأنّ الناس يتركون عنده أجزاءً من أحاديثهم وهم يشترون حاجاتهم، فتتجمع في ذاكرته كما تتجمع الأوراق المتناثرة في زاوية دكان.
وجدته يرتب علب السجائر خلف الزجاج.
قلت: أبا فاضل، هل سمعت شيئاً جديداً عن الرجلين؟
توقفت يده لحظة.
ـ أيّ رجلين؟
ـ سرمد ومحمد.
نظر إليّ، ثم أعاد ترتيب العلب.
ـ وماذا تريد أن تعرف؟
ـ ما الذي حدث لهما؟
اقترب قليلاً وخفّض صوته: يا بُنيّ، ليس كل سؤالٍ يُطرح في كل مكان.
قلت: وأين نطرحه إذن؟
أجاب وهو ينظر إلى الشارع: لو كان الميت يستطيع الكلام، لذهبنا إليه وسألناه.
لم أجد ما أقوله.. , دفعت ثمن علبة السجائر التي اشتريتها، وحين استدرت للمغادرة، ناداني: انتظر.
التفتُّ إليه.
قال: أتدري ما الذي تغيّر في الناس؟
ـ ماذا؟
ـ في الماضي، إذا مات أحدهم، سألنا عن مرضه، وعن الطبيب الذي عالجه، وعن سبب موته… ؛ ثم صرنا نسأل: من قتله؟ والآن نخاف حتى من السؤال… ؛ صار بعض الناس ينتظرون العبارة التي ستصدر في الخبر الرسمي، لا ليعرفوا الحقيقة، بل ليعرفوا ما الذي ينبغي أن يقولوه…!!
ثم سكت، وعاد إلى ترتيب علب السجائر.
خرجت من الدكان، لكنّ كلماته بقيت معي.
بعد أيام، جلست في مقهى شعبي مع رجلٍ كان يعمل في إحدى دوائر الدولة.. , لم يذكر اسمه، ولم أسأله عنه.. , كان يحرّك ملعقته في استكان الشاي، مع أنّ السكر ذاب منذ زمن.
قال لي: هل تعرف كيف تسير الأمور في بعض الدوائر؟
قلت: أعرف ما أسمعه.
قال: أحياناً يأتي المسؤول غاضباً، لا بسبب العمل، بل بسبب مشكلةٍ في بيته، أو خلافٍ مع شخصٍ أعلى منه، أو مكالمةٍ لم تعجبه.. , ثم يدخل الدائرة، فيبحث عن موظفٍ يصبّ عليه غضبه..!!
قلت: وما ذنب الموظف؟
أجاب: أنه كان أمامه.
ثم تابع، وهو يحدّق في الشاي: قد يشتمه، أو يضربه، أو يأمر بنقله، أو يتهمه بما لم يفعل… , وإذا كان المسؤول محمياً أو مرتبطاً بجهةٍ أمنية، فقد لا يستطيع الموظف الاعتراض.. , ليس لأنه لا يعرف حقّه، بل لأنه يعرف ما قد يحدث إذا طالب به.
سألته: وهل حدث هذا معك؟
رفع رأسه، ثم أنزله سريعاً.
ـ لا تسألني عمّا حدث لي.. , اسأل نفسك ماذا يفعل رجلٌ لديه زوجة وأطفال، إذا صار رزقهم وأمانهم متعلقين برضا شخصٍ واحد؟
حرّك الملعقة مرةً أخرى، ثم قال: الإنسان لا يخاف على نفسه وحدها.. , يخاف على الذين ينتظرونه في البيت.. , ولهذا يصمت أحياناً، ثم يلوم نفسه لأنه صمت.. , كأنّ عليه أن يكون بطلاً في كل يوم، حتى لو كان ثمن البطولة أن يترك أطفاله بلا أب.
لم يكن يتحدث كمن يلقي حكمةً؛ كان يختار كلماته بحذر، ويتوقف بين الجملة والأخرى، وينظر إلى باب المقهى كلما ارتفع صوت أحد الجالسين.
حين نهضنا للمغادرة، ترك استكانه نصف ممتلئ.
وقال: لا تذكر ما قلته لك.
ثم مضى.
راقبته وهو يبتعد، وفكرت في أنّ الخوف لا يكتفي بإسكات صاحبه؛ إنه يجعله يطلب من الآخرين أن ينسوا ما سمعوه أيضاً.
5 ـ الحصار الذي لا يُرى
كانت الحياة تضيق من حولنا، يوماً بعد آخر.
في الخارج، كان الحصار الدولي يضغط على البلاد، وفي الداخل كانت سياسات النظام الجائر تزيد حياة الناس قسوةً: القمع، والامتيازات غير المتكافئة، وتراجع المؤسسات، والخوف الذي صار حاضراً في العمل والشارع والبيت.
لم يكن المواطن البسيط قادراً دائماً على التمييز بين ما فرضته العقوبات من نقصٍ في الغذاء والدواء، وما صنعته سياسات الحكم من تفاوتٍ وحرمانٍ وامتيازات.. , كان يرى النتيجة أمامه، ولا يملك سلطةً على الأسباب.
تتحدث نشرات الأخبار عن الصمود والسيادة والتحدي والقيادة الحكيمة ، ثم يعود الرجل إلى بيته ليجد أطفاله ينتظرون وجبةً لا يعرف كيف يدبّر ثمنها…!!
كان أبي يضع راتبه على الطاولة، ويقسّمه إلى أجزاء صغيرة: للخبز، والشاي، والخضار، وما تبقّى من حاجات البيت.. , وفي نهاية الحساب، كانت الأرقام تخبره بما يعرفه مسبقاً: أن الراتب لن يكفي.
أما أمي، فكانت تؤجل شراء ما تحتاج إليه، وتقول إنّها لا تشتهي شيئاً.. , كنت أعرف أنها تكذب، لكنها كانت تكذب بالطريقة التي تكذب بها الأمهات كي لا يشعر أبناؤهنّ بأنّ البيت ينهار.
في المساء، كنت أخرج علبة «الروثمان» وأتأملها.. , أفتحها، فأجد سجائر اللفّ مصطفّةً داخلها، وأشعر بشيءٍ من السخرية.. , علبةٌ تحمل اسم الرفاه، وتخفي في جوفها علامة العجز عنه.
لم يكن الفقر وحده ما يثقل حياتنا.. , كان علينا أن نتحمل أيضاً خطاباً يطلب منا الصبر والتضحية، من غير أن يمنحنا حق السؤال عن عدالة توزيع الأعباء، أو عن سبب احتفاظ بعض المتنفذين بما لا يستطيع عامة الناس الاقتراب منه.
كان الناس يقولون: «الله كريم».
يقولها رجلٌ يقترض ثمن الخبز، وأمٌّ تؤجل شراء الدواء، وموظفٌ يتسلم راتبه ثم يعيد حسابه ثلاث مرات، وشابٌ لا يرى في مستقبله سوى عملٍ لا يكفيه أو بطالةٍ لا ترحمه.
لم تكن العبارة تعني أنّهم راضون بما يحدث.. , كانت، في أحيان كثيرة، آخر ما يستطيعون قوله حين لا يجدون باباً يطرقونه.
أما الخوف، فقد كان له حصارٌ آخر.
لم تكن أسلاكه الشائكة مرئية، ولم يكن يحتاج إلى حواجز عسكرية عند كل شارع.. , كان يكفي أن يفكر المرء قبل الكلام، ثم قبل السؤال، ثم قبل أن يسمح لفكرةٍ ما أن تكتمل في رأسه.
ومع مرور الوقت، صار بعض الناس يراقبون أنفسهم كما لو أنّ عيناً خفيةً تجلس معهم في الغرفة.. , يختارون الكلمات التي لا تثير الشبهة، ويتركون الجمل معلّقةً في منتصفها، ويغيرون الموضوع إذا دخل غريب.
لم يكن الجميع متساوين في المسؤولية أو القدرة على الاعتراض؛ فهناك من امتلك النفوذ، وهناك من خضع له، وهناك من استفاد منه، وهناك من حاول النجاة بأقل الخسائر.. , لكنّ النتيجة كانت واحدة بالنسبة إلى المواطن العادي: أن يشعر بأنّ حياته قد تتأثر بقرارٍ لا يعرف مصدره .
كان ذلك حصاراً داخل الحصار؛ حصار الجسد بالجوع، وحصار العقل بالخوف، وحصار الحقيقة بالصمت.
6 ـ السيجارة الأخيرة
مرّت أسابيع، ثم شهور.
خفتت أحاديث الرجلين، وانشغل الناس بأخبارٍ أخرى.. , اختفت التفاصيل من المجالس، لكنّ الجنازتين بقيتا في ذاكرتي.
كانت أمّ سرمد، كما أخبرني أحد الجيران، تخرج في الصباح إلى عتبة البيت، وتجلس قليلاً، ثم تعود إلى الداخل.. , لم تكن تفعل شيئاً سوى النظر إلى آخر الزقاق، كأنّها تنتظر أن يظهر ابنها من هناك.
قال الجار إنّه سمعها ذات مرة تخاطب صورته المعلّقة على الجدار: يا بُنيّ، لماذا لم تعد؟ إن كنت قد أخطأت، فلماذا لم يحاسبوك؟ وإن لم تكن قد أخطأت، فمن يحاسبهم؟
لم أسمع ذلك منها بنفسي، ولذلك لم أستطع أن أقول إنّها نطقت به حقاً.. , لكنني صدّقت أنّ في قلبها كلاماً من هذا النوع؛ كلاماً لا يحتاج إلى شاهد كي يكون موجعاً.
أما محمد الدليمي، فقد ترك أطفالاً وبيتاً صار غياب صاحبه جزءاً من أثاثه.. , لم أعرف كيف شرحوا لهم موته، ولا كيف تعلّموا أن يسألوا عن أبيهم من دون أن يجدوا جواباً.
وفي إحدى الليالي، عدت إلى الشارع الذي التقيت فيه سرمد أول مرة.
كان المطر قد توقف، والبرد يضغط على الأرصفة.. , جلست قرب جدارٍ قديم، وأخرجت ورقة لفّ التبغ.. , وضعت قليلاً منه، ولففت سيجارةً ببطء.
أخرجت علبة «الروثمان» من جيبي.. , كانت حوافها قد تآكلت، وانمحت بعض الكتابة على غطائها.. , فتحتها، وأخذت منها سيجارة لف اخرى .
تذكّرت سرمد وهو ينظر إلى العلبة ويقول : إنّ باكيت الروثمان عندي لا ينفد.
ابتسمت وحدي.
تخيّلته يخرج من آخر الشارع، بمعطفه الداكن، ويقف أمامي قائلاً: نارك، يا أبا الشباب.
كنت سأجيبه: هذه المرة معي روثمان حقيقي!
ثم أضحك، ويضحك، ونسأل عن أحوال بعضنا، ونشكو غلاء الأسعار، والشاي الذي فقد حلاوته، والسجائر التي لم تعد تشبه السجائر.
لكن الشارع ظلّ خالياً.
أشعلت السيجارة الاولى ثم الثانية ، وسحبت نفساً قصيراً.. , كان الدخان خشناً، كما اعتدت، لكنّني لم أطفئها.
تذكّرت أمّه، وأطفال محمد، والرجل الذي كان يحرّك ملعقته في استكان الشاي، وأبا فاضل الذي لم يجرؤ على تسمية ما يعرفه.
ثم تذكّرت الورقة الرسمية.
ورقةٌ بيضاء، تحمل عبارةً طبيةً مقتضبة: «سكتة قلبية».
لم تكن لديّ وثيقة تثبت أنّ الرجلين قُتلا، ولا تقريرٌ طبيّ يتيح لي الطعن في سبب الوفاة.. , لم أعرف إن كانت رواية إطلاق النار صحيحة، ولا إن كان الخلاف قد وقع كما تناقل الناس، ولا مَن كان مسؤولاً عمّا جرى، إن كانت هناك جريمة أصلاً.
لكنّني كنت أعرف أنّ عائلتين فقدتا رجلين، وأنّ أسئلةً كثيرة بقيت بلا إجابة، وأنّ الخوف منع الناس من الاقتراب من تلك الأسئلة.
وفي تلك اللحظة، فهمت أنّ المشكلة ليست في العبارة المكتوبة على الشهادة وحدها؛ بل في غياب الطريق الآمن الذي يستطيع أهل الميت أن يسلكوه للتحقق منها، وفي غياب مؤسسةٍ لا تخشى التحقيق، ولا تخضع لمزاج صاحب النفوذ.
أطفأت السيجارة، ونهضت.
كان رجلٌ مسنّ يخرج من دكانٍ قريب، يحمل كيساً صغيراً فيه خبز وشاي.. , أخرج سيجارةً ملفوفة من جيبه، وراح يفتّش عن علبة ثقاب.. , اقتربت منه وأشعلتها له.
قال : الله يخليك، يا بُنيّ.
أجبته : الله كريم، الله يطول عمرك يا عمّي.
مضى الرجل، وبقيت واقفاً لحظةً أتأمل الضوء الصغير عند طرف سيجارته.
كانت العبارة نفسها التي قالها سرمد في تلك الليلة.. , لكنّها لم تعد تبدو لي مجرد مواساةٍ للفقراء، أو كلمةٍ نطلقها حين نعجز عن شراء السكر والدواء.
تساءلت: إذا كان الله كريماً، فلماذا يتوهّم بعض البشر أنّ لهم الحق في التصرّف بمصائر الآخرين؟ ولماذا يستطيع صاحب النفوذ أن يحوّل غضبه إلى خوفٍ يطوّق حياة عائلةٍ كاملة؟ ولماذا يصبح السؤال عن موت إنسانٍ مخاطرةً قد يدفع الأحياء ثمنها؟
لم أجد جواباً.
مرّت السنوات.
تبدّلت الوجوه، وسقط النظام، وانتهى عهد السفاح صدام ، لكنّ بعض ما تركه الخوف في نفوس الناس بقي زمناً أطول من السلطة التي صنعته.. , صار بعضهم يروي ما شاهده، وبعضهم يروي ما سمعه، وبعضهم يخلط بين الأمرين من غير قصد؛ فقد مرّ وقتٌ طويل، وتداخلت الذكريات بالشائعات، والوقائع بالتفسيرات.
أما أنا، فما زلت أذكر سرمد.
لا أستطيع استعادة وجهه كاملاً، لكنّني أذكر ابتسامته القصيرة، ومعطفه الداكن، وطريقته في النظر إلى علبة السجائر.. , وأذكر أنّه لم يطلب مني شيئاً سوى النار.
كلّ ما كان يريده في تلك اللحظة سيجارةً مشتعلة.
وكلّ ما كنت أريده أنا أن تنتهي تلك الليلة بسلام.
لا أعرف اليوم حقيقة ما حدث له، ولا أملك أن أتهم شخصاً بعينه، أو أن أحوّل روايةً سمعتها في مجلس عزاء إلى حقيقةٍ تاريخية.. , لكنّني أعرف أنّ الموت لا ينبغي أن يتحوّل إلى سرٍّ تحرسه الرهبة، وإنّ وصف الوفاة بأنها «سكتة قلبية» لا يُغني عن إجراء تحقيقٍ عادل وشفاف، ولا سيما إذا كانت آثار الرصاص قد اخترقت الأجساد.
وأعرف أنّ الحصار الذي عاشه العراقيون ف عقد التسعينيات من القرن المنصرم ؛ لم يكن أرقاماً في تقارير الاقتصاد؛ كان خبزاً ناقصاً، ودواءً مفقوداً، وجسدا مريضا , وشابا هزيلا , وطفلا معاقا , وشايًا بلا سكر، ورواتب تتآكل، وأمهاتٍ يؤجلن حاجاتهنّ كي لا يشعر أطفالهنّ بأنّ البيت قد هُزم.
فقد حمّلت العقوبات الاقتصادية المجتمع أعباءً جماعيةً لم يخترها، فيما زادت سياسات النظام القمعية والامتيازات غير المتكافئة تلك الأعباء قسوةً.. , وفي المسافة بين ضغط الخارج واستبداد الداخل، كان المواطن البسيط يدفع الثمن الأكبر، من دون أن يمتلك وسيلةً حقيقيةً لتغيير ما يجري.
لقد انتهى ذلك العهد الدموي الاسود ، لكنّ ما ينبغي أن يبقى من حكاياتنا ليس الخوف، ولا التبرير، ولا الرغبة في الانتقام؛ بل أن يعرف الناس أنّ حياة الإنسان ليست ملكاً لصاحب منصب، وأنّ القانون لا تكون له قيمة إذا عجز عن حماية الضعيف من القوي، أو عن مساءلة صاحب النفوذ.
أما علبة «الروثمان» فقد تخلّصت منها منذ زمن.. , لم تعد صالحةً لحفظ السجائر، وتآكل غطاؤها حتى اختفت الكتابة التي كانت تزيّنها.. , لكنّني كلما رأيت علبةً مشابهة، تذكّرت شاباً وقف في ليلةٍ باردة، واستعار النار من رجلٍ لا يعرفه جيداً.
لم يكن بيننا ما يكفي لصداقة، ولا ما يكفي لوداع.
كانت مصادفةً قصيرة، ثم صار لها في ذاكرتي عمرٌ طويل.
وأحياناً أفكر أنّ سرمد لم يترك لي سوى جملةٍ واحدة، قالها وهو يدخّن سيجارته:«الله كريم».
أمّا أنا، فقد ظللت أرددها بعده، لكنّ معناها تغيّر.. , لم أعد أقولها كي أواسي نفسي فحسب؛ صرت أقولها وأنا أتمنى أن يأتي يومٌ لا يضطر فيه العراقي إلى إخفاء سيجارته خجلاً من فقره، ولا إلى ابتلاع سؤاله خوفاً من السلطة، ولا إلى انتظار ابنه مذعوراً من احتمال عودته في نعش.
يومٌ يستطيع فيه أهل الميت أن يسألوا عمّا حدث، ويستطيع الشاهد أن يتكلم، ويستطيع الطبيب أن يكتب ما يثبته الفحص، ويستطيع القضاء أن يبحث عن الحقيقة من دون أن ينظر إلى اسم المتهم أو منصبه.
فالموت حقيقةٌ لا مفرّ منها… ؛ أما الخوف الذي يمنع الأحياء من السؤال عن موتاهم، فليس قدراً.
ولا ينبغي لشهادة وفاة، مهما كانت رسمية، أن تكون آخر ما يُقال في حكاية إنسان.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر