الذكاء الاصطناعي والفن على مفترق الشك والجدل!

منبر العراق الحر :

هل الذكاء الاصطناعي AI، سيحلّ يوماً مكان الفنان؟ لا شيء مؤكّداً حتى الآن، ولكن تطوّره السريع بات منبعَ إلهام للعديد من المهتمين والطامحين حول العالم.

أسئلة عديدة تطُرح عن الشرخ الزمني العميق للحياة ما قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعد أن اقتحم كل مجالات البحث العلمي وجاوزه إلى الأدب والموسيقى والسينما والشعر والرسم والنحت، فالكثير من اللوحات العالمية المعلّقة في كبريات المتاحف باتت عُرضة للهتك أو التحوير والدمج عبر الذكاء الاصطناعي، ويتمّ تداولها في صيغ رقمية معاصرة لا تخطر على البال (أعمال لفان غوغ وسيزان وفرمير ودالي…).

لقد تمّ تخيّل صورة تجمع دافنتشي بموناليزا على طريقة الكارت بوستال، كما وُضع أخيراً تمثال مصنوع من الفولاذ في متحف التكنولوجيا في ستوكهولم في السويد (بعلو 150 سنتم يزن 500 كلغ)، وعنوانه “التمثال المستحيل”، وهو منفّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي من وحي أعمال أشهر خمسة نحاتين عبر التاريخ هم: ميكايل أنجلو (ايطاليا) واوغست رودان (فرنسا) وكاتي كولفيتس (ألمانيا) وكاتورا تاكامارو (اليابان) واوغوستا سافاج (الولايات المتحدة الأميركية).

هذا التمثال صنعه خمسة من معلّمي النحت ما كانوا ليتعاونوا في الحياة الواقعية، لذا فقد وُصف بأنّه مستحيل، ويمثّل امرأة نصف عارية واقفة تحمل بيدها اليسرى كرةً من البرونز. “ثمة شيء غريب في مظهره يجعلنا نشعر بسرعة أنّه لم يُخلق بيد إنسان”، كما قالت جوليا اولداريوس المسؤولة عن هذا الابتكار في المتحف، التي اعتبرت المنحوتة عملاً فنياً وليس مجرد إنجاز تقني.

 

لوحات الواقع المعزّز

السؤال الأهم هو: هل ستسيطر الذكاءات الاصطناعية المعارض الفنية قريبًا؟ على أي حال، هي صارت على الباب، بفضل المجموعة المؤلفة من ثلاثيّ فرنسي عُرفوا بإسم Obvious (كلمة بالإنكليزية تعني بديهي)، شكّلوا أنموذجاً للإبداع الفني القائم على الخوارزميات، من خلال المعرض الذي أقاموه في غاليري ماغدا دانزي Danysz في باريس شهر كانون الثاني (يناير) 2023، متضمناً 14 لوحة فنية (هي من سلسلة 7.1) تمثل عجائب الدنيا السبع في العالم.

تعكس الأعمال جودة عالية في الرسم، إلاّ إنّها غير متأتية من خيال الفنانين بل من الذكاء الاصطناعي. ومثلما شرح الثلاثي، فإنّهم قاموا بإعداد خوارزميات لكي يتمّ تحويل نصٍ محددٍ إلى صور، ولكي تأتي بعدها مرحلة طباعة الصور الرقمية على لوحات.

واستغرق إعداد المعرض سنة ونصف السنة للحصول على نتائج مدهشة وملموسة كما رآها جمهور الزائرين. وهو أول معرض لأعمال فنية تتمّ بالذكاء الاصطناعي في فرنسا.

تناولت المجموعة مواقع معروفة في العالم من بينها منارة الإسكندرية وحدائق بابل المعلقّة. وعنها قال بيير فوترل، عضو المجموعة مع غوتييه فيرنير وهوجو كاسيلز دوبري: “بمساعدة أحد المؤرّخين، استشرنا النصوص القديمة التي تصف ظهور هذه العجائب السبع ثم استخدمناها لإنشاء محفّزاتنا. أخذنا سلسلة من الكلمات التي تسمح للذكاء الاصطناعي، مثل برنامج Midjourney أو Stable Diffusion بتوليد الصور”.

هكذا أخذ عملاق رودوس وهرم خوفو ومعبد أرتميس أشكالاً خيالية، ناتجة من التزاوج بين خيال الفنانين البشريين وعلم الخوارزميات. ولكن الخطوة الأهم في عمل الثلاثي الفرنسي، هي طريقة نسخ الصورة الرقمية وطبعها على قماش بالألوان الزيتية، مما يسهّل الارتباط بها أكثر حسياً ومادياً، كما يمكن للزوّار تجربة الطريقة الموسّعة والمتحرّكة في الواقع المعزّز، والتي يمكن استكشافها عن طريق تحريك هواتفهم الذكية حول الصورة. ذلك فضلاً عن الإصدارات المعزّزة التي تُباع على أنّها NFTs، وهو قطاع كان فيه الفريق رائداً أيضاً، خصوصاً بعد أن تمّ بيع أعمالهم الأولى على منصّة Blockchain في عام 2018.

أما جديد بينالي بوخارست للفن المعاصر، فهو تعيين مهمّة الإشراف على نسخته العاشرة إلى روبوت يدعى جارفيس. وبفضل استوديو Spinnwerk في فيينا، على مدار العامين المقبلين، سيتدرّب جارفيس على تعلّم سلسلة من المفاهيم التنظيمية ثم دراسة قواعد البيانات الخاصة بالمتاحف والجامعات والمعارض المختلفة، وسيقوم الذكاء الاصطناعي (AI) بمسح قواعد البيانات من أجل إنشاء مجموعة مختارة من الفنانين والمبدعين ثم عرض أعمالهم في معرض الواقع الافتراضي. وبذلك سيكون برنامج الذكاء الاصطناعي قادراً على وضع قائمة بالمشاركين المستقبليين في البينالي.

فتاة تضع قرط اللؤلؤ لفرمير في صيغة معاصرة بواسطة الذكاء الاصطناعي

فضيحة رفض الجائزة

لعلّ من أكثر الفضائح التي أُثيرت في لندن في الآونة الأخيرة، هي رفض المصور الفوتوغرافي الألماني بوريس إلدغسن قبول استلام الجائزة التي فاز بها في مسابقة Sony World Photography Awards المرموقة، معلناً أنّه قدّم صورة لم يتمّ التقاطها بالكاميرا الخاصة به، بل تمّت عبر استخدام الذكاء الاصطناعي (AI). وقال في بيان نُشر على موقعه على الإنترنت: “شكراً لاختيار صورتي وجعل هذه لحظة تاريخية، لأنّها أول صورة يتمّ إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي وتفوز في مسابقة تصوير دولية مرموقة. هناك شيء ما في هذا الأمر لا يبدو صحيحاً، أليس كذلك؟ فصور الذكاء الاصطناعي ليست تصويراً ولا يمكن التنافس بينهما. فهما كيانان مختلفان. لذلك لن أقبل الجائزة”.

وقال إنّه تقدّم بطلب (في كانون الأول/ ديسمبر 2023)، ولم يقدّم إلّا تفاصيل قليلة عن إنتاج الصورة، لأنّ المنافسة سمحت باستخدام “أي جهاز”. وإنّه وضع القائمة المختصرة وسُئل عن العنوان، فقال في منشور المدوَّنة إنّ العنوان هو Pseudomnesia أي “ذاكرة مزيفة”.

انتقد إلدغسن منظّمي المسابقة ودعاهم لفتح نقاش جديّ حول التصوير الفوتوغرافي وعلاقته بالذكاء الاصطناعي، إلاّ أنّ شركة “سوني” تجاهلت طلبه وأخبرته أنّ بإمكانه الاحتفاظ بالجائزة، وإذا كان لا يعرف ماذا يفعل بها يستطيع أن يتبرع بها لمهرجان fotofestival في أوديسا بأوكرانيا. على أثر هذه الفضيحة ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم بالخبر، وتهافتت لاكتشاف لغز “الذاكرة المزيفة”، بوصفها الصورة الفخّ، والصورة الأولى للذكاء الاصطناعي، والأجمل من الحقيقة، وهي بالأسود والأبيض، تُظهر امرأتين قلقتي المظهر، تتكئ إحداهن على كتف الأخرى في مناخ يسوده الحزن.

الذاكرة المزيفة للمصور الألماني إلدغسن عبر AI

فن… أم نوع آخر؟

 أظهر سوق الفن أخيراً شهية حقيقية للأعمال الفنية المنفّذة بواسطة الذكاء الاصطناعي، والبرهان، أنّ “صورة إدموند دي بيلامي” الرقمية، بيعت بمبلغ 432.500 دولار في كريستيز في تشرين الثاني (أكتوبر) 2018، وهو رقم قياسي لعمل من هذا النوع. كما سبق وأُقيم للإنتاج الفني المنفّذ بالذكاء الاصطناعي عبر برنامج مسمّى Ai-Da  “البشري الواقعي جداً” معرضاً في تموز (يوليو) 2019 في كلية سانت جون في أكسفورد، تضمن رسوماً ولوحات ومنحوتات فضلاً عن فن الفيديو. إذ بفضل الكاميرات المدمجة، تمكّن Ai-Da من رسم صور واقعية أثناء حمل قلم رصاص بفضل ذراع بشرية.

في هذا السياق، أثارت اللوحة الرقمية التي حملت اسم “مسرح أوبرا الفضاء” الكثير من حملات الإعجاب والتنديد في آن واحد، وهي صورة رقمية بديكور فخم يشبه الحلم، لمشهد اوبرا خياليّ، تبدو كلوحة أكاديمية من القرن التاسع عشر.

جذبت الصورة المتقنة والغامضة والزاخرة بالجمال، انتباه لجنة التحكيم في المعرض السنوي لولاية كولورادو (الذي تمّ تنظيمه في الفترة من 26 آب (أغسطس) إلى 5 ايلول (سبتمبر) 2022)، التي منحتها جائزة أفضل لوحة رقمية. المشكلة الوحيدة، أنّ هذه اللوحة التي قدّمها جيسون ألين تمّ تصميمها بواسطة الذكاء الإصطناعي من خلال برنامج Midjourney الذي استخدمه الفائز البالغ من العمر 39 عاماً وهو ليس فناناً. ذلك ما جعل منافسيه يتذمّرون ويعتبرون المنافسة غير عادلة ويتّهمون الفائز بـ “الغش” ويندّدون بـ “موت الفن”!

مسرح اوبرا الفضاء نفّذها جيسون ألين بالذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي لا يعمل بمفرده

المشكلة الرئيسة في النَّص الذي يتمّ إنشاؤه بواسطة ChatGPT أنّه لا يذكر مصادره أبداً، على عكس Google أو Wikipedia. لذلك، من المستحيل التحقّق من دقّة المعلومات المبلّغ عنها، خصوصاً إذا كانت خاطئة وتمّ تناقلها، حينئذٍ تكون العواقب وخيمة- بحسب فابريس بوستو مدير تحرير مجلة “البوزار” الفرنسية- الذي خاض تجربة إنتاج لوحة عبر برنامج Midjourney.

ويُعرف هذا البرنامج بأنّه يولّد صوراً من نصٍّ وصفيّ بفضل الذكاء الاصطناعي، كي تكون غلافاً لعدد المجلة، فجاءت النتيجة مذهلة ولكن مخادعة، رغم أنّ مهارته في الرسم هي لا شيء! يقول: “لتحقيق هذه الصورة المدهشة، أدخلتُ النص التالي: “لوحة لجيروم بوش مَرِحة جداً، سوريالية ومضحكة. ثم أعدتُ صياغة هذه الصورة الأولى نحو خمس عشرة مرة مع Midjourney، للحصول على الصورة المطلوبة، وهذا يعني أنّ الذكاء الاصطناعي لا يعمل وحده، وأنّ الكلمات التي يختارها المستخدِم تتحكّم بالنتائج، لذا فإنّ التدخّلات المتعددة على الصورة ضرورية”.

مع Midjourney، لن تعرف أبداً الأعمال التي تمّ خلطها وجمعها أو وضعها في طبقات أو دمجها لإنشاء صورة جديدة. ولن تعرف من هو مؤلِّف العمل؟ والأسوأ من ذلك، أداء Midjourney يجعل من الممكن إعادة اختراع التاريخ، وتلفيق أحداث لم تحصل. كيف سنتمكن من تمييز الصورة الحقيقية من الصورة الزائفة بقصد الخداع؟ السؤال ما زال مطروحاً وملحّاً.

في الوقت الحالي، نعلم أنّ الذكاء الاصطناعي يكافح لتفادي الفشل في تمثيل الأيدي لتكون أقرب إلى الرسم اليدوي. هذه الثغرة ما زالت ماثلة للعيان، لأنّه غالباً ما يكون لهذه الأيدي 4 أو 6 أصابع! لكن غداً عندما تتطور التكنولوجيا، ماذا سيكون؟ “سيكون الذكاء الاصطناعي غدًا متفوقاً على الذكاء البشري. هذه ليست سوى البداية”، كما أعلن الباحث يان لو كون Yann Le Cun، مؤلف كتاب “عندما تتعلّم الآلة – ثورة الخلايا العصبية الاصطناعية والتعلّم العميق”.

وهو يُرجّح أنّه في غضون 15 أو 20 عاماً، ستكون هواتفنا المحمولة قد اختفت، وأننا سنرتدي نظارات تسمح بتركيب المعلومات الافتراضية على العالم الحقيقي، وسيتمّ تقديم هذه الترجمة الفورية إلينا عندما نتناقش مع رجل صيني مثلاً، وسوف نخترع أعمالًا وأشياء بشكل دائم باستخدام الذكاء الاصطناعي. اليوم بفضل الواقع المعزّز، من خلال وميض رمز الاستجابة السريعة (QR code) الذي تمّ إنشاؤه بمساعد Snapchat  سوف تكتشف أشكالًا مذهلة. التغيير حاصل، ومرحباً بكم في حاضر مستقبل الذكاء الخارق!

مهى سلطان ….النهار العربي

اترك رد