منبر العراق الحر :
لم أكن أجيد تنظيف المنزل ولا طهي الطعام . ولا الثرثرة مع جارات الحيّ . نذرت أمي أن تذبح ثلاث نعجات وبقرة سمينة ، لو نسيتُ الكتابة والقراءة .
كنتُ أكتب في اليوم سبعين قصيدة ، وأمشي على جميع البحور دون أن أشعر بالبلل .
لم أنعم بالزرقة إلاّ قليلاً ، فقد غرقتُ في أحد البحور وابتلعتني سمكةٌ جائعة .
حاولت أن أقصَّ حبل الحزن الذي ربطني فيه القدر منذ ولادتي ، فلم أستطع . وعندما تكاثر الحزنُ في دمي ، والفقر في مدينتي ، قرًرتُ أن أتركَ قصائدي على سطح بيتي ليبيعه الفقراء من الجيران ، ليشتروا خبزاً مدعوماً من الحكومة وحليباً مجففاً للأطفال .
عاقبني الإله وحكم عليّ ، أن أرقصَ مع الفراشات ، لأنني أعيش مع أسرة فقيرة لا تملك مذياعاً ولا تلفازاً لأرى نشرة الأخبار . كنت ابكي كثيراً على الذين يقتلون كل يومٍ لأنهم أرادوا ان يحلقوا قليلاً مثل العصافير . فصادتهم يد القمع وخروا ساجدين إلى الأبد .
كنت فتاةً متمردة ونحيلة ، أرتدي فساتين قصيرة لأن الشاب الذي أحببته يعشق سيقان البنات النحيلات . ويدخّن سجائره الرخيصة تحت نافذة بيتنا لتكتمل رجولته . يستمع لأغنية فيروز
في الصباح ( يا حلو شو بخاف إني ضيعّك ، نمرق على الجسر العتيق وتضيع مني بهل الطريق !)
فأقول له : يا حلو شوبخاف إني أسألك كنّه بعد بتحبني ، قد البحر قد الدني ؟ )
فيبتسم ويرسل لي قبلةً في الهواء .أمّا أنا أقذف له بنصف شطيرة من الزعتر ، لنتقاسم الخبز والملح . كانت أمّهُ لا تحبني وتقول عني : أنني فتاة
هاربة من المجاعة وبأنّ الجزار الشاطر لن يستطيع أن يحصل على أوقية لحم من جسمي .
حاولت أمّي ان تطعمني سبع وجبات في اليوم لأسمن كثيراً ويفقد ذلك الشاب إعجابه بي ، ويهرب من بدانتي . ولكنني امتنعت عن الطعام ونجوت من المؤامرة .
والدي كان رجلاً تقياً جداً ، يتسلّل في منتصف الليل بعد صلاة العشاء ، ليطمئنّ على جاراتنا الجائعات ليطعمهّن من قمح قلبه الأخضر . ويلقي السلام على كل نهدٍ خائفٍ من صوت القذائف والصواريخ لينام على كفّهِ بهدوء .
. رأته أمي ذات يوم فصرخت وبكت وركضت بلا حذاء ، ودعت السماء طويلاً ، لكي تحولّه إلى شجرة تفاح مثمرة . ليأكل الجميع منها في أيام القحط . وتصبح هي زوجة لشجرة مخلصة لا تعرف الخيانة .
بكت أختي كثيراً بعد أن رأت الشجرة الكبيرة في الصباح ، وصلّت للإله لكي تمطر السماء في الربيع شباباً
يشبهون ضياء القمر ،
لكي تختار زوجاً وسيماً وتنجب أطفالاً كثيرين ، قبل أن يبيّض شعرها وتصبح عانساً .
أمّا أمي كانت تسقي الشجرة فنجاناً من القهوة السادة كلّ يوم ، و تجمع التفاح وتوزعه على نساء المدينة، كي لا يتسكّع الأزواج في الليل
هند_ زيتوني #
من مجموعة _ لم تنشر بعد #
Atlanta _ Georgia #
منبر العراق الحر منبر العراق الحر