المرأة والمجتمع الذكوري في رواية ” رادا” للأديبة إسراء عبوشي..بقلم الكاتب والناقد: رائد محمد الحواري

منبر العراق الحر :

في الآونة الأخيرة وجدنا مجموعة من الأعمال الأدبية تتناول مشاكل المرأة، خاصة في اعمال الرواية، وهذا يعكس حقيقة الواقع الذي تعيشه المرأة في المجتمع الذكوري، فرغم الإرث الديني والاجتماعي الذي يمتلكه المجتمع، إلا أن ذلك لم ينجح في الحد من الظلم الواقع على النساء، فبدا وكأن هناك جدارا/ سدا يحول دون التعامل بسوية معهن.

في رواية “رادا” والتي تعني رامية الحجر، تتناول الساردة واقع النساء في فلسطين تحديدا، من خلال مجموعة نساء “سارة، رادا، عروبة، حنين، آية، شادن” وإلى حدا ما “مهما” وكيف أنهن تعرضن لقسوة الأهل والمجتمع الذي ينظر إلهن بفوقية وسادية، وهذا ما جعلهن يشاركن في مسابقة للإبداع الأدبي حتى يحققن ذاتهن، وينتصرن في إثبات تفوقهن وتألقهن كنساء بعيدا عن الذكورية المهيمنة، من هنا نجد لكل مشاركة في المسابقة هدفها وتطلعها إلى ما يعنيه فوزها، فبمجملهن أردن تأكيد حضورهن وأنهن صاحبات مشاريع اجتماعية/ أدبية يستطعن أن يتفوقن فيها.

هذا هو العمود الفقري للرواية، لكن هنا تفاصيل متعلقة بالظلم والقهر الذي تتعرض له النساء، فمن مظاهر القمع الذي تتعرض له الأنثى وما تعانيه “رادا” نفسيا بسبب كونها أنثى: “إحساس يعكر صفو أوردتها، التي تنصهر شوقا لأمل ينجيها من عقدة الأنوثة، أصبحت تمقت أنوثتها، وتعتبرها سبب شقائها… الصراع داخلها شتتها، كون منها شخصية مقيدة مهزوزة” ص5، هذا الوصف يكفي لتبيان حجم الظلم الذي تعانيه “رادا” فالساردة استطاعت أن توصل للقارئ ما هو داخلها، وإذا علمنا أن الخطأ الذي اقترفته “رادا” هو كونها أنثى فقط، وليس أي شيء آخر، نصل إلى طبيعة المجتمع الذكوري وكيف أنه يمارس سطوة (استعمارية/ عنصرية) بحق النساء.

من هنا نجد “سارة” شقيقة “رادا” تموت بمرض السرطان دون أن تجرؤ على البوح بمرضها لأسرتها: “إن فات الأوان مع سارة فرادا ما زالت هنا، تلك الفجوة بينكم وبين البنات جعلت سارة تكتم مرضها عنكم، إلى أن رحلت ـ رحمها الله ـ كان الأجدر أن تفتحي حضنك لبناتك، وتقتربي منهن” ص8، وجود عبد الرحمن” خال “رادا” أعطى أحداث الرواية شيئا من التوازن في نظرته وتعامله مع النساء، فهو طبيب ويعامل بناته بحرية مطلقة بعيدا عن عقلية المجتمع الذكوري، من هنا كان له الفضل في مشاركة “رادا” في المسابقة، وأيضا في إخراج “شادن” من حالتها النفسية ومعالجة جسدها الذي تعرض لمادة حارقة بعد أن سكبها زوجها عليها بدعوى أنها تخونه وتريد الطلاق منه.

ونجد في هذا الحوار بين “عبد الرحمن” ووالدة “رادا” الطريقة المتخلفة التي ينظر بها المجتمع الذكوري للمرأة: 

“ـ والدها يا أخي لا يعير اهتماما لأوجاعنا نحن الإناث.

ـ لهذا الحد يا أختي، ليس له قيمة! أنت أضعف من أن تكوني أما ترعى بناتها، تحافظ على كيانهن ومشاعرهن التي خلقن عليها.

ـ النظرة تختلف، ما تراه خصائص، هي بنظرهاهن عيوب.

ـ جهلكم يراها عيوبا.

ـ لن تكون الأنثى كالذكر يوما، وحرصنا عليها ليس ذنبا.” ص10، دائما الحوار يكون له أثرا خاصا على المتلقي، فهو يقدم وجهات النظر بحيادية، وعلى المتلقي أن يفكر ويختار الجهة التي يريد أن يكون معها وتتوافق والمنطق الذي يفكر به، وبما أن الساردة تحدثت عما تعانيه “رادا” نفسيا، وعن وفاة “سارة” بسبب عدم فتح المجال أمامها لتتحدث عن مرضها، لكونها أنثى، فهذا جعل القارئ ينحاز لموقف “عبد الرحمن” المدافع عن النساء وحقوقهن.

أما “شادن” فتتعرض لجريمة تشويه جسدها حتى (لا ينعم به أحدا بعد تطليقها): “لم يكن يقبل خسارتي في أي حال من الأحوال، وحين فرضت عليه خسارتي ظن أنه سيمتلكني للأبد فقام بتشويهي” ص39، وهنا تكون الساردة قد تناولت العقلية الذكورية التي تنظر إلى المرأة على كونها من (أملاك) الزوج وله حق التصرف بها كيفما شاء، وليس لها الحق في الانفصال عنه، كونها (امرأة) فهو السيد وهي العبدة، وعليها أن تطيعه في كل ما يريد ويرغب، لهذا كان تشويه جسدها عقابا لها وقصاصا لأنها تجاوزت قوانين المجتمع الذكوري، وكما يعامل المستعمر/ الاحتلال المحتلين بقسوة وشدة مفرطة يعامل الذكور الإناث، فكلاهما استعمر ويفكران ويسلكان عين السلوك.

مشكلة عدم الإنجاب دائما تكون ضحيتها المرأة، أما الرجل حتى لو كان هو السبب فلا يقع عليه ذنب، وعلى المرأة أن تتحمل وتتعايش مع هذا الواقع حتى الممات، تحدثنا “شادن” عن عدم قدرتها على الإنجاب، وعندما تفاتح أهلها بحقها بأن تنفصل عن زوجها بعد أن قرر الزواج من أخرى، نجد موقفهم بهذا الشكل: “ـ قدر الله يؤمنون به حين ينصب على الذكر لا على الأنثى، للذكر دائما خيارات، وللأنثى الاستسلام للأقدار.” ص40، بهذه العقلية يتم التعامل مع النساء في المجتمع الذكوري، أليست هذه عقلية الصهاينة الذين يرفضون أن يعتقوا رقبانا من سطوتهم وعنجهتهم؟

أما “عروبة” فتتعرض لقسوة زوج الأم وسطوة زوجة الأب، فهي ينطبق عليها المثل: “لا أنا مع أمي بخير، ولا مع مرة أبوي بخير” لهذا كانت ضحية سهلة لأبن الجيران الذين صورها واستغل الصور لتكون تحت امره فيما يريد.

كان من المفترض أن تقترن “عروبة” ب”ساري” لكن زوجة أبيها التي تخطئ أبنتها مع خطيبها قبل الزواج، فتقرر إخفاء فضيحتها من خلال إجبار “ساري” على الزواج بها، بعد أن هددته بالصورة التي أخذتها “لعروبة” من تلفون ابن الجيران: “ـ زوجة والدك كانت تريد أن تحمي ابنتها من الفضيحة، فقد أخطأت مع خطيبها الذي تخلى عنها بعد أن سلمته نفسها، قبل عقد قرانهم رسميا، فكادت لك وأخذت صورك من هاتف جاركم الذي كان يهددك، كان يحتفظ بنسخ أخرى للصور” ص95، هذا الطرح يأخذنا إلى نظرة المجتمع للمرأة وعلى أن شرفها يكمن بين فخذيها، أما الرجل فلا شرف له، لأنه ليس له ما للمرأة بين فخذيه، فهو من حقه ومن الطبيعي أن تقبل به أي أثنى أخرى رغم أنه فاقد للشرف، بينما الأنثى التي أخطأت عليها أن تدفع ثمن خطئها إلى نهاية عمرها، أو أن تجد من (يخضع) لهذا الواقع ويقبل به مجبرا ومكرها، من هنا “كان “ساري وعروبة” هما الضحية لهذا الخطأ، وعليهما أن يضحيان بسبب نظرة المجتمع الخاطئة للشرف وللوفاء.

ملاحظة: الرواية الفائزة بجائزة الاستحقاق لجوائز ناجي نعمان الأدبية الدولية لعام 2021، وقد تم نشرها عام 2023.

 

اترك رد