من ثقافة الأمانة أم طابقين الى فوضى التكاتك!! كتب: مهند سري

منبر العراق الحر :
لايزال هناك حنين الى الأمانة أم طابقين، التي كانت خطوطها تصل الى حيث ما تريد، فيما كان الناس ينظمون مواعيدهم على أوقات حركتها، كم كانت حاضرة في مخيلتنا، ونحن تلاميذ صغار، نرسمها مرات ومرات في إمتحانات مادة الفنية، وكأنها واحدة من معالم المدينة، بل هي كذلك، بكل توليفاتها، الأمانة، الباص، المصلحة، الـ ” AC ” أم الطابقين، أو الطابق الواحد، وتجمعها الساحر في منطقة الميدان، مركز إنطلاقها الى انحاء بغداد، والسائق والجابي بزيه الرسمي، والمفتش بأناقة بزته، وهيبة مركزه، و” المنطقة” التي كانت تمثل محطات إنتظارالركاب، وواحدة من المظاهر الحضارية، التي نالت رعاية خاصة، مع تطور خدمات النقل، سواء بمقاعدها، وزجاجها المظلل، مع علامة بارزة لمصلحة نقل الركاب، وأرقام الباصات التي تمر من خلالها.
من نوادر الحافلات، وهو الإسم المعرب للأمانة، أني كنت أرقب جارنا الشيخ طه، وهو رجل ضرير يتخذ من مقاعد المعاقين المجانية مكاناً له في الباص رقم 5، يركب صباح كل يوم، من دون قائد يقوده، فيما أستأنف طريقي الى المدرسة، وينزل هو قرب مكتبة الصباح في الأعظمية، من دون أن يستعين بأحد، ما دفعني فضولي المبكر الى سؤاله : كيف تستدل على المكان الذي وصلت اليه ؟، فأجابني مع إبتسامة خفيفة : من عد المناطق، ويقصد محطات الوقوف الجبرية.
كانت المصلحة، تشكل واسطة النقل الأولى، بإنتشارها، وحركتها الدؤوبة، ورخص اجورها، لذا كانت تعد منافساً قوياً لوسائط النقل الخاص، وتحد من إرتفاع إجورها، فضلاً على الميزة التي تمنحها للطلاب الذين يحصلون على دعم خاص من خلال الإشتراك بدفاتر التذاكر التي كانت تباع في أكشاش مصلحة نقل الركاب بسعر زهيد، وبإزاء كل هذا الدعم الذي كانت تقدمه للمواطن، كانت تشكل مورداً مالياً للميزانية العامة، بحيث تدخل في رفد رواتب موظفي الدولة آنذاك.
هذا كله من الماضي، فيما لم تجد في الحاضر، الا القليل من الحافلات الحديثة، الموزعة بين خطوط مبعثرة، لايحكمها نظام، ولا يحددها سياق عمل منضبط، فهي أقرب الى حركة النقل الخاص ” الكيات” منها إلى ” أمانة” أيام زمان.
ووسط خلو الشارع من “الأمانة”، برغم أن كراجاتها التي اصبحت نقط دلالة، ومناطق تحمل إسمها، لم تزل تحتفظ باعداد منها تحت أديم السماء، وهي عرضة للتآكل، مقابل بروزفوضى الـ”تكتك”، الذي أخذ يزاحم وسائط النقل، وينشر حوله عبث الحركة في الطرق المزدحمة، إضافة الى أن وجوده يشكل تراجعاً في حضارة البلدان، فضلاً على المدن الكبرى مثل عاصمة الدنيا بغداد.
وبهذا التحول، أعطي الإيعاز لحركة النقل بالمسير الى الوراء در، بدلاً من أن تشق طريقها الى أمام.
العراقيون في الخارج، أول مايلفت نظرهم، وسائط النقل العام المتعددة، المترو، والحافلات، والترام، وغيرها، وهذا الإهتمام تجده حتى في الدول الفقيرة، بخلاف ما نحن عليه من تراجع في هذا القطاع، برغم ما تحقق من موازنات انفجارية زادتنا فقراً، وأثرت نزلاء المنطقة الخضراء، وبقينا على الأمل الموعود نراهن، لكن ” أواعدك بالوعد وازكيك ياكمون”.
ما نخلص اليه، أن هناك علاقة قوية بين المستوى الحضاري، وأهمية النقل، فكلاهما وجه لعملة واحدة، لذا يلاحظ مثلا أن الولايات المتحدة ترصد مبالغ طائلة تقدر بنحو 25% من ربع دخلها القومي في تنمية وتطوير جهازها النقلي، كما أن مقومات الدولة تستند في قوتها على هيمنتها الكاملة على مرافق وحدتها السياسية كافة، ولا يتم ذلك الا بفضل ما تمتلكه هذه الدولة من شبكة متشعبة ذات أنماط متعددة لوسائط النقل، وعكس ذلك، فالدول الضعيفة هي الدول التي يغيب فيها النشاط النقلي، وبالتالي فإن سيطرتها على وحدتها السياسية يكون هزيلاً وما يترتب على ذلك من نتائج في جسم الدولة .

 

اترك رد