منبر العراق الحر :
في ليلة خريفية، كانت الأجواء ملائمة تماماً لحضور عرضٍ سينمائي، وأمام دار السينما في منطقة المنيل بقلب القاهرة، كانت جُلّ الوجوه لمواطنين سودانيين غارقين في نقاشات جانبية، استرعى عرض الفيلم السوداني “وداعاً جوليا” حضورهم الطاغي، وكأن تذكرة الفيلم بمثابة تأشيرة مرور إلى الوطن الجريح، حتى ولو لدقائق.
أثار الفيلم عواصف الحنين لدى السودانيين، ونكأ جراح التقسيم القديم، وبعث الخوف من تقسيم المُقسم، في ظل حربٍ ضروس تدور رحاها في العاصمة، وتهدد بتمزق وحدة الدولة، في ظل تنامي الصراع المسلح بين الجيش السوداني، و”قوات الدعم السريع”، وتمدده على طول الأراضي السودانية وعرضها.
وبفعل الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، عُرض “وداعاً جوليا” في سينمات القاهرة من دون صخب يُذكر، ابتداءً من 25 تشرين الأول (أكتوبر) الفائت، وسجّلت إيراداته في شباك التذاكر حتى الأسبوع السابع نحو 2.6 مليون جنيه مصري (86 ألف دولار).
أنعشت الجالية السودانية الإيرادات بصورة واضحة، ونقلت تقارير صحافية محلية عن موزع الفيلم أن حوالي 70 بالمئة من جمهور الفيلم من السودانيين؛ إذ يقدر عدد الجالية السودانية في مصر بأكثر من 5 ملايين، حسب تقارير مصرية وسودانية.
وسبق الاحتفاء القاهري تقديرٌ عالميٌ للفيلم؛ إذ امتلأت جعبة صُنّاع “وداعاً جوليا” بالجوائز، ومنذ انطلاقه حصد نحو 19 جائزة في عدد من المهرجانات الدولية، تمثل أبرزها في التتويج بجائزة الحرية بمهرجان كان السينمائي، وترشيح الفيلم ليمثل السودان في جوائز الأوسكار ضمن فئة “أفضل فيلم غير ناطق بالإنكليزية”، في الحفل المقرر إقامته في آذار (مارس) 2024.

بوستر فيلم “وداعاً جوليا”
اجترار الماضي
من نافذة على الماضي، يطل “وداعاً جوليا” على حوادث عصفت بالسودان حتى قسمته، فمن المشهد الأول الذي رأينا فيه منى بطلة الفيلم في مطبخها، تتحرك الكاميرا إلى شوارع العاصمة الخرطوم، وتتبع أحداث عنفٍ ومظاهرات أشعلها الجنوبيون، بعد مقتل زعيمهم الدكتور جون قرنق، في 30 تموز (يوليو) 2005.
وتتطور الأحداث سريعاً؛ تصدم منى المغنية المعتزلة طفلاً جنوبياً بسيارتها، فيطاردها والد الطفل بدراجته النارية، يقتل أكرم زوج منى الشاب الجنوبيّ، بعدما ظن أنه يهاجمها تحت جناح الفوضى التي ضربت الخرطوم، واشتباك الجنوبيين مع سكان العاصمة في هذا اليوم المشؤوم.
في هذا القالب السردي المشتعل، تمضي الأحداث؛ إذ يلهب سوط الندم روح منى حيال الأسرة المكلومة في الزوج الجنوبي القتيل، فتبحث عنها، وبعد تعقب لا يخلو من التحايل، عثرت منى على الأسرة الجنوبية. وتحت ستار توظيفها خادمة في المنزل، استضافت في منزلها الأرملة الجنوبية جوليا وطفلها، وتمضي الحوادث وتتوثق عرى الصداقة بين منى وجوليا، حتى الاستفتاء على انفصال جنوب السودان مطلع عام 2011، وترحل جوليا إلى جنوب السودان في مشهد درامي تودعها فيه صديقتها منى، سبب مأساتها.
احتفاء
حظي “وداعاً جوليا” بإشادة واسعة، وتم الاحتفاء بالمخرج والمؤلف محمد كردفاني، والمنتج أمجد أبو العلا، وأبطال الفيلم. وعن أسباب هذا الاحتفاء يرى الناقد السينمائي السوداني محمد عبد السلام في حديثه لـ”النهار العربي” أنه “لا يمكن تقييم الفيلم بقدر ما يمكننا الاحتفاء به، لجهة أن السينما في السودان تعاني من مراحل انقطاع؛ مما يجعل ظهور فيلم جديد بمثابة حالة احتفائية؛ لأن جمهور السينما السودانية دائما في حالة تعطش (إن صح التعبير) لأي منتوج فيلمي جديد”.
ويضيف عبد السلام بشيء من التفصيل: “السودانيون في حالة توق لرؤية سينماهم، ورؤية قضاياهم الإنسانية في الشاشة الفضية، لذا فإن الفيلم مثل حالة متباينة من الشعور بالحنين والسرور والحزن؛ الحنين لوطن يرزح تحت أنين الرصاص ورحمة جنرالات الحرب؛ والسرور بإنتاج شريط فيلمي ربما يروي ظمأ الفقد؛ والحزن على وطنٍ كان واحداً وأمسى بعلمين، وشعبين، وحدود فاصلة”.
بموازاة ذلك، يقول الصحافي السوداني المقيم في القاهرة عثمان عبد الحليم لـ”النهار العربي” إنّ “الأحداث الحالية في السودان دفعت السودانيين في القاهرة نحو هذا الإقبال الكثيف، ففي بداية عرض الفيلم كانت دور السينما كاملة العدد، وهي ظاهرة غير معتادة من الجمهور السوداني، الذي لا يحبذ عادة مشاهدة فيلم سوداني، بسبب الانطباع السائد عن السينما السودانية، لذا قد يصبح هذا الفيلم عامل جذب قوياً، ويمد جسور الثقة مع الجمهور”.
بدرجة أقل من الاحتفاء، لاقى “وداعاً جوليا” انتقادات تتعلق بالمباشرة في تناول الأحداث، إلا أن محمد عبد السلام يرى أن هذا الجانب قد يكون أحياناً من نقاط قوة العمل السينمائي، وهذا برأيه ما حدث في هذا الفيلم.
ويقول: “أختلف مع من يرى أن المباشرة من سلبيات فيلم كردفاني، من وجهة نظري فإن أبرز سلبيات الفيلم هي حشد قضايا إنسانية بالغة التعقيد في عمل واحد؛ مما جعل الفيلم يسير في خطوط متباينة، وهو ما أخل بشكل المعالجة، أي أن مشكلة الفيلم الرئيسية هي في السيناريو”.
من جهته يعتقد عثمان عبد الحليم أن “مشكلة العنصرية في السودان لم تناقش من قبل في أي عمل إبداعي، ويتم تحاشيها وإنكارها في التناول العام في الإعلام السوداني. وفي ظل هذا الواقع، وعند مناقشة مشكلة العنصرية التي تسببت في انفصال الجنوب عن الشمال، وقد تتسبب في عمليات انفصال أخرى، يجب أن يكون تناولها واضحاً كما حدث في فيلم “وداعاً جوليا”؛ لأن استخدام الرمزيات في مثل هذه الحالة قد يُفسر باعتباره هروباً من مناقشة المشكلة، لذا كان لا بد من المباشرة”.
ويقول عبد الحليم إنّ “التعامل مع المباشرة كان ذكياً للغاية من ناحية الحبكة والقصة والحوار، كما حقق الفيلم توازناً ورصانة في معالجة قضية العنصرية، فتناول جوانب الخير والشر لدى الجنوبيين والشماليين في صورتها المركبة، من دون انحياز لأي طرف، كما تصدى العمل لعدد من القضايا الاجتماعية، التي أورثت السودان مشكلات عميقة التكوين، من أبرزها في الفيلم حمل الطفل الجنوبي الصغير السلاح في المشهد الأخير في الفيلم، وكأن المشهد يقول لو أن هذا الطفل استشعر العدالة لما أصبح مسلحاً يقاتل الدولة”.
تم تصوير الفيلم مباشرة قبيل الحرب الأخيرة التي لا تزال مستعرة، ويتمنى عثمان عبد الحليم لو أنّ صنّاع الفيلم كانوا قد كثفوا توثيق الحياة اليومية في الخرطوم. ومع أن الصورة عكست بعض مشاهد المدينة، مثل السوق، إلا أنها لم تفعل بالقدر الكافي، وخصوصاً أن الظرف الحالي جعل من فيلم “وداعاً جوليا” آخر عملية توثيق للعاصمة قبل اشتعال الحرب فيها.

مؤلف الفيلم ومخرجه محمد كردفاني
مستقبل ومقاومة
مع تسليط الضوء على السينما السودانية بعد “وداعاً جواليا”، ومن قبله “ستموت في العشرين”، تتجلى التساؤلات حيال مستقبلها، وهنا يرى الناقد محمد عبد السلام أن “السينما السودانية في حالة مقاومة لكل القبح والدمار والخراب الذي يعانيه السودان”، لافتاً إلى أنّ السينمائيين لديهم الإرادة التي تمكنهم من التغلب على كل التحديات.
ويستطرد: “الصراع السياسي الذي تمظهر عسكرياً أخيراً هو نتاج غياب الفنون عن المشهد، وتسيد العسكر والسياسيين للساحة في بلادنا. ولدى الفنون، والسينما في مقدمتها بطبيعة الحال، الفرصة للعب دور متقدم قد يكون ترياق الحياة في وطن أثخنته جراح السياسة”.
ويعتقد عبد السلام أنّ “أبرز التحديات التي تواجه صناعة السينما بالبلاد تتركز في عدم توفر البنى التحتية للصناعة، من دور عرض، وشركات إنتاج، وغيرها، وذلك نتيجة لحل مؤسسة الدولة للسينما بعد انقلاب الإسلاميين، وتسيد نظام الإسلام السياسي العسكر-ديني للساحة السودانية طوال ثلاثة عقود؛ مما جعل الدولة ترفع يدها كلية عن السينما”.
ويختم لافتاً إلى أن “من بين التحديات أيضاً، عدم وجود تجربة سينمائية يمكن البناء عليها، فالسينما عندنا ظلت في حالة تنفس تحت الماء طوال مئة وعشر سنوات هو عمر السينما السودانية. لكن يظل الأمل معقوداً في الأجيال الشابة، التي تحاول وضع الحصان أمام العربة رغم كل العقبات”.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر