منبر العراق الحر :
جاء كتاب “من الشعر الرمزي” (الهيئة المصرية العامة للكتاب) للباحث المصري يحيى معوض أحمد في جزءين؛ من نحو 800 صفحة من القطع فوق المتوسط. يحتوي الجزء الأول ترجمة قصائد الشاعر الأميركي إدغار آلان بو (1809 – 1849)، وأشهرها قصيدة “الأعراف”، المنشورة عام 1829، إلى اللغة العربية.
أما الجزء الثاني، فيحوي ترجمة قصائد لشارل بودلير (1821- 1867) إلى اللغة العربية. يتخذ الكتاب بجزءيه من هذين الشاعرين نموذجين للشعر الرمزي، ويخصص لكل منهما دراسة وافية، تتخللها مقارنة بينهما، تبرز سمات مشتركة، على الصعيدين الفني والإنساني.
ولعلّ أهم ما تضمَّنه الكتاب هو ذلك الجهد الذي بذله المؤلف في ما يخص تأثر بودلير بإدغار آلن بو، بعد انقطاعه لنحو عشر سنوات لترجمة أعماله إلى اللغة الفرنسية. ولاحظ المؤلف في دراسته ذات الطابع الأكاديمي، تأثر كل من بو وبودلير في مذهبهما الشعري بفلسفة أفلاطون التي تقول بأن ما هو حقيقي ليس في العالم المحسوس، بل هو في عالم الغيب. ويستطيع – كما يقول يحيى معوض أحمد – “القارئ المدقق”؛ أن يجد أثر الفلسفة الأفلاطونية في تنظيرات بو وأعماله، لا سيما قصيدتيه “الأعراف” و”إسرافيل” المقتبستين من الفكر والثقافة الإسلامية. ويضيف أنه كانت لمهارته في الموسيقى اللفظية ومزجه بين الانطباعات الحسية، “أبلغ الأثر على أشعار بودلير ومالارميه وفرلين والمنتسبين إلى الشعر الرمزي عموماً”.
فهو كان له نصيب وافر في صبغ الأدب الرمزي بالرؤى السريالية الجامحة وأجواء الإيحاء الموسيقي البالغ، متأثراً في ذلك بفلسفة كانط المثالية التي وضعت كثيراً من القواعد والأساليب لعددٍ وافر من المدارس الأدبية؛ وخصوصاً المدرسة الرمزية. وأبرز ما في هذه الفلسفة هو نظرتها للجمال، الذي تراه خالصاً من كل شوائب الحس والمادة والمنفعة، ومصدر الجمال هو الذوق، لا التجربة ولا المنطق، وليس للجمال غاية سوى الجمال نفسه. تأثر بو بهذه النظرية لدرجة أضحى هو معها نموذجاً أدبياً يحتذى، فدعا إلى جعل الشعر موسيقى، لا تفرقه عن الموسيقى الحقيقية أي فوارق، وهو القائل: “إن أقوى عناصر الجمال في الشعر هو الموسيقى اللفظية، لأنها طريق السمو بالروح، وأعظم سبيل للإيحاء، وللتعبير عما يستحيل التعبير عنه”.
المعلم الأول
وبحسب ما ذكرته الأستاذة في قسم اللغة الإنكليزية في كلية الآداب، جامعة أسيوط، فاتن حلمي ثريا، في تقديمها للكتاب، فإن الرمزية هي حركة فنية ظهرت في نهايات القرن التاسع عشر وازدهرت في فرنسا وروسيا وبلجيكا، عبر الفن والأدب والمسرح والموسيقى والشعر.
وترى ثريا أن شعراء الرمزية تأثروا بالحركة الرومانتيكية والأدب القوطي والتصوف والروحانية، كما أنها أثرت في ما بعد في الحركة السريالية والدادية والمستقبلية والحداثة والمعاصرة.
والشعر الرمزي هو ذو طبقات عديدة متنوعة، فنرى في قصائد إدغار آلن بو أنه روحاني لا تشوبه شائبة، ونراه في بعض قصائد بودلير يمزج ما بين الروحانية والشهوانية. وعادة ما نرى في الشعر الرمزي الحنين للعهود الماضية والحزن والأسى لمشهد يستحضره الشاعر من ذكرى قديمة تعصف به، فتجيش نفسه بما فيها من انفعالات ومشاعر وعاطفة. ويعتبر بو؛ وفق عدد من النقاد، “المعلم الأول للكتابات الخيالية”، و”مخترع القصة البوليسية”، و”الممهد الأول للرواية العلمية”، و”المجدد للقصة الشعبية”، و”الرائد في علم التحليل النفسي”، وهو أحد رواد الحركة الرمزية. وشعراء الرمزية، عموماً، يولون اهتماماً شديداً لموسيقى القصيدة، وكانت غايتهم أن يكون لشعرهم وقع كالموسيقى (تلك اللغة المجرَّدة)، أو أن تكون لشعرهم سمات الموسيقى وخصائصها، أو أن تمتلك قصائدهم إيقاعاً قوياً كالموسيقى، ومن هنا كان إعجابهم الشديد بشعر إدغار آلان بو، وخصوصاً قصيدته “الغراب”.
الجزء الثاني يحتوي على ترجمة عدد كبير من قصائد شارل بودلير (1821- 1867)، وتسبقها دراسة تبرز تأثر بودلير على نحو مباشر بإدغار آلن بو، “وهو من قام بتقديم أشعاره وقصصه في اللغة الفرنسية في ترجمة رائعة، حتى أنه عرف حينها كمترجم لأعمال بو أكثر مما اشتهر كشاعر”.

ممالك مجهولة
ويرى المؤلف كذلك أن قصائد بودلير “تمثل روائع مكتوبة بِمداد أحمر في ديوان الشعر، روائع ليس لها مثيل في أي ديوان شعر من حيث اعتمادها روح العصر”. كان بودلير – يقول المؤلف – استبطانياً.
كان “حزمة متحركة من الأعصاب والأمراض التي استغلها بطريقة خلّاقة”. ومذاق الرعب هو من الملامح الأخرى المتصلة ببودلير. فهو إذ كان يستمتع بشدة بآلامه، كان على استعداد دائم لأن يزيدها شدة؛ ليس فقط بارتكاب الخطيئة عن عمدٍ مع ما يتبع ذلك من رعب، بل أيضاً من خلال التأمل الوقح في العالم النفسي السفلي الخبيء الذي حاول أن يسلط عليه أشعة نفَّاذة لكي يفضحه بكل عريه.
لقد كان بودلير، مثل شقيق روحه إدغار آلن بو الذي اكتشفه وقدمه إلى القارة الأوروبية من خلال ترجمات فرنسية رائعة في عام 1864، يعاني دافعاً داخلياً ملحاً للاستطلاع والتنقيب، كان يحثه على الدوام على التماس خبرات جديدة، وإلى ولوج ممالك مجهولة حتى لو كان عليه أن يدفع ثمن ذلك من دمه وأعصابه. بودلير استخدم – استخداماً مفرطاً – صوراً شعرية حسيَّة مبنية على حاسة الشم. وهناك شيء ما شرقي في عبقرية بودلير، فالحنين للماضي لم يفارقه قط منذ أن رأى الشرق. الشرق حيث يجد المرء السخونة والحرارة المتقدة عند منتصف الليل والنهار الذي يشتد ويحتدم فيه القيظ والأحاسيس الغريبة.
في 18 يوليو / تموز 1857 ظهرت الطبعة الأولى من ديوان “أزهار الشر”. كان بودلير قد تعاقد مع الناشر بوليه مالاسي – وكان ممن يعطفون على الأدباء – على نشر مجموعته الشعرية في ديوان أسماه “الأعراف”؛ على غرار الاسم الذي أطلقه بو على ديوانه الأول، ثم عدل عن ذلك وغيَّره إلى “أزهار الشر”، بعدما اقترح عليه أحد أصدقائه هذا العنوان، فأحدث ظهوره ضجة في الأوساط الأدبية واهتزت فرنسا بروعة الخيال الذي تضمَّنته قصائده الرمزية التي تمتاز بلفتات صوفية.
ترجمة أعمال بو
ولكن صحيفة “الفيغارو” استأنفت حملاتها على هذا اللون من الشعر ووصمته بالميوعة وإشاعة الانحلال الخلقي في سلسلة مقالات لغوستاف بوردان. وقد رأى العديد من النقاد أن الصراع المتبلور في “أزهار الشر” يخص انتصارات العملية الإبداعية الجمالية وانكساراتها أكثر بكثير مما يتعلق بالدين. وهناك نقاد آخرون كان لهم الصوت الأعلى، وصفوا هذا العمل الإبداعي بأنه “مثال السُقم والرداءة”. وأما بالنسبة إلى ما قيل عن تأثر بودلير بإدغار آلن بو، فقد قال الأول شاكياً في خطاب له إلى تيوفيل ثوريه: “إنهم (النقاد) يلصقون بي تهمة تقليد بو… هل تعرف لماذا عكفتُ على ترجمة أعماله بمثل هذا الصبر؟ أنا فعلت ذلك لأني أدركتُ أنه كان يشبهني”. وقال الشيء نفسه في خطاب إلى إدوارد مانيه، ومما جاء فيه: “وجدتُ عنده؛ ليس فقط موضوعات حلمتُ بها من قبل، بل أيضاً عبارات وأسطراً مكتوبة كنتُ أحملها في أعطاف ذهني، قام بو بكتابتها منذ عقدين ماضيين من الزمان”.
شعر بودلير أنه ينبغي عليه أن يصبح بو أولاً ثم يكتب ويترجم بعد ذلك. أدرك أنه يتحتم عليه كمترجم أن يفهم بو فهماً عميقاً بما يكفي ليحيط علماً بما خفيَ من معانيه وظلاله، ومن ثم يقوم بتفسيرها بمعان معادلة ومكافئة لها من حيث كونها أفكاراً ومعانيَ لا مجرد كلمات وألفاظ ومفردات. إن دارسي الأدب المقارن – يقول المؤلف – سيجدون في بودلير مثالاً رائعاً وهو الشاعر الفرنسي الكبير الذي كرَّس مجهوداً هائلاً اقتطعه من مسيرته المهنية ووهبه طواعية لخدمة نشر اسم إدغار آلن بو، والتعريف بأعماله ومؤلفاته في فرنسا.
وهو ما كان سبباً رئيسا في ذيوع صيت بو، وهو الكاتب الأميركي الذي لم يلتق بودلير قط، ولكنه كان في نظره بمثابة شقيقه ومعلمه وتوأم روحه الأدبي في الفكر والتطبيق. لقد عكف على ذلك لسنوات طويلة. ولم يتوقف حتى عندما كان يمر بظروف مادية أو نفسية شديدة القسوة، كان يبدو كما لو أنه قد نذر نفسه لهذا الأمر. أصبح بودلير على دراية بأعمال بو في عامي 1846 و1847، ووجد فيها حكايات وأشعاراً كانت موجودة – بزعمه – في ذهنه منذ وقت طويل، إلا أنها لم تتخذ شكلاً أدبياً قط.

سمات مشتركة
هناك إذاً الكثير من الأشياء المشتركة بين بودلير وبو، فالاثنان لديهما الميل نفسه نحو كل ما تقشعر له الأبدان كما أنهما يشتركان في الميل إلى تصوير رهبة الموت وحتميته. يضاف إلى هذا بالطبع انحراف عقليهما ومزاجيهما واستغراقهما في عالم ما وراء الطبيعة، بحسب المؤلف الذي رأى كذلك أن كليهما عانى المرض والفقر والحزن.
كان بودلير مثل بو، يؤمن بمذهب الخطيئة الأولى، يكفر بالديموقراطية وفكرة التقدم والرقي، وكان يرى أن الإنسان خيِّرٌ بطبيعته. كما أن التوجه الأرستقراطي المتعالي لدى بو يشبه كثيراً تأنق بودلير المفرط. لقد رأى في بو رائداً وبشيراً جديداً في عالم الأدب، فأراد أن يكون نظيره الفرنسي المعاصر له. استغرق بودلير في ترجمة أعمال بو من 1846 إلى 1856 تماماً، فجاءت ترجمته متقنة وهي بحق من عيون التراجم.
علي عطا….النهار العربي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر