قصة قصيرة ..( للخوف ظلّ طويل)…منى الصراف

منبر العراق الحر :
(الخوف ظلّه طويل، علينا فهمه كي نستطيع التغلّب عليه، هناك شيء أهمّ من الخوف وهو الفشل والوقوع فيه، والتحلّي بالشجاعة لتجاوز الجبن، وأكبر مواجهة للخوف هي الخطوة الأولى لتعيش حياتك كلّها وأنت تشعر بنشوة الانتصار)..
كانت هذه وصايا جدّة تختم بها كلّ أسطورة من أساطير الخوف والرعب التي تحكيها لأطفال مشاكسين لا يعرفون السكينة والهدوء في نهارهم.
طفلة شجاعة! ترعب القطط السوداء وقت الغروب، ولا تخشى محاكمة مُفترضة تُقام ضدّها من القطط وقاضياً وشهوداً من البشر!.. فهي قد عرفت سرّ اللعبة وفهمت معنى الخوف وطرق مواجهته، وأنّ حكايات جدّتها صندوق دنيا عناوينه الرعب لكنّه أحد دروب الخيال.
لم تتجاوز التاسعة من عمرها، شعرها أسود كليل خال من ضوء القمر، متموّج كأمواج دجلة الهادئ حين يلامس بيوتاتهم المتراصّة على ضفافه، بيضاء بشفتين ورديّتين كثمرتي كرز في طور النضوج.
تحبّ اللعب كثيراً مع أطفال محلّتها البغداديّة العتيقة، بيد أنّها كانت تكره وقت الغروب وظهور القمر، وهذا سبب كافٍ لترك اللعب والعودة إلى البيت.
نُسجت حكايات كثيرة في محلّتهم –من الكبار قبل الصغار- حول بيت تسكنه الأشباح، بيت مهجور لم يتجرّأ أحدٌ أن يسكنه، وإن حاول فعلها يولّي هارباً في ليل مظلم.
أمّا أطفال المحلّة فقد سكنهم الرعب من هذا البيت، ونسجوا حوله الحكايات والقصص، وكيف حاول أحدهم دخوله في ليلة مع رفاقه وبيده شعلة نار، سمعوا فيه صرخات وقهقهات وأواني تُقرع، وكيف خنق أحدهم في محاولة يائسة منه لرفع رأسه إلى الأعلى لينظر حوله، ازدادت وتيرة الخنق وضحكات تلك (السعلوّة)* الطويلة بجسد يملؤه الشعر كما هو القرد، حتّى أنّ ظلّها كان أطول من قامتها الممشوقة، طلبت منهم الخروج من الدار وإلا سيكون مصّ دمائهم لها شراباً.
ضحكت تلك الطفلة من قصصهم تلك وقالت لهم: ألا تعلمون أنّ للخوف ظلّاً طويلاً؟!..
ردّوا عليها:
-وكيف ذلك؟!.. ألا تعلمين أنّ السعلوّة طويلة جدّاً ويُقال أنّها تدخل قبراً وتخرج منه كلباً أسودَ وتدخل آخر وتخرج على هيأة غراب؟!..
-هه.. هذه خرافات الجدّات وحكاياتهن.. عليكم مواجهة الخوف والوقوف بصمود أمام تلك السعلوّة ذات الظلّ الطويل!
قالوا لها –ساخرين-: واجهي أنتِ ذلك الخوف لو كنتِ حقّاً تمتلكين تلك الشجاعة.. وادخلي البيت وحدكِ
كانت تنظر إلى عيونهم التي طوّقتها بالسخرية والضحك على قدرتها وشجاعتها!
ردّت عليهم بحزم:
-أنتم جبناء.. هل تعلمون أنّي شجاعة وبشجاعتي أصل إلى النجوم والجلوس على سطح القمر وأشرب الشاي وآكل الكعك مع جدتي؟
زادت وتيرة ضحكاتهم وقالوا لها:
-لا نريدك أن تجلسي فوق سطح القمر.. فقط ادخلي هذا البيت وقت الغروب
ردّت بكلّ ثقة..
-إذن.. لننتظر وقت الغروب.
كان الظلام شديداً تلك الليلة، والمحلّة أصبحت شبه خالية من الحركة، والمكان أصبح مخيفاً جدّاً.
وقف الأطفال على مقربة من البيت المهجور ينتظرون دخولها فيه.. حملت شعلة نار كانوا قد صنعوها لها..
شعرت ولأوّل مرّة في حياتها أنّها ليست شجاعة حين وضعت القدم الأولى عند عتبة الدار المسكون بالأشباح، كانت تخاف الفشل أمام أصحابها وليس خوفاً من السعلوّة، لأنّها ستكون فريسة الذلّ طوال حياتها!.. وبخطى مثقلة دخلت باحة الدار..
كانت تتمتم مع نفسها: (احترسي فقط من الذي سيقف خلفك ليخنقكِ!.. والذي يظهر أمامكِ فجأةً!)
شعرت بقلق حادّ وسرعة في التنفّس وقد جفّ الفم من ماء ورده، اتّسعت حدقتا عينيها وارتجفت بشدّة أطرافها، غصّة في الحلق ونوبات من التجشّؤ كانت تعتريها حين تواجه هذا الخوف، ازدادت ضربات قلبها، شعرت أنْ سيُغمى عليها، أخذت تردّد حروفاً مرتجفةً:
-اصمدي.. أنتِ شجاعة.. عليكِ الاعتراف بالخوف أوّلاً.. لكن إيّاكِ والفشل.. لابدّ من الخروج من هذه الدار وأنتِ تشعرين بنشوة الانتصار على هؤلاء الأغبياء.. هكذا علّمتكِ الجدّة.
سمعت أصواتاً تقرع شيئاً ما، وظلّاً أسود طويلاً كان واضحاً أمامها، تسمّرت من ذلك قدماها اللتان لم تشعر بهما، وهذا التجشّؤ قد زادت وتيرته حين شاهدت عينيْنِ لامعتيْنِ تشقّان ظلمة المكان، صمدت للحظات والتفّت خلفها، شاهدت سعفة لنخلة متكّئةً على الجدار، عرفت بسرعة ذكائها المتّقد أنّها السعلوة ذات الظلّ الطويل التي أرعبت الأطفال..
قفزت منْ أمامها قطّة سوداء أصابتها بالهلع، خمّنت أنّ تلك القطّة كانت هي من تصدر ذلك القرع على الأواني لتفتّش لها عن بقايا طعام.. خرجت من الدار وبيدها تلك السعفة الطويلة وهي تهشّ قطّة سوداء تموء أمامها.. وابتسامة النصر على شفتيْها.
منى الصرّاف / العراق
*السعلوة :- شخصيّة خرافيّة أنثويّة شكلها غريب ومخيف وجسدها طويل مليء بالشعر.
من مجموعتي القصصية ( للخوف ظل طويل )

اترك رد