“عتبات البهجة”… الفخراني على خطى “أبو العلا البشري”

منبر العراق الحر :

قبل عامين قدم يحيى الفخراني مسلسل “نجيب راهي زركش” المستعار من مسرحيتين عالميتين، فاعتمد على علاقة طريفة بين “السيد والخادم” من جهة، وبين “الأب” وثلاثة أبناء أحدهم فقط هو ابن شرعي له. وبرغم الأجواء المرحة والحبكة التي لا تخلو من تشويق، لم يحقق المسلسل الصدى المتوقع لأعمال الفخراني الذي ظل لسنوات نجم رمضان الأوحد والأبرز.
وبعدما احتجب العام الماضي، أطل في الموسم الحالي بمسلسل “عتبات البهجة” واستعان بأحد أبرز مخرجي التسعينيات مجدي أبو عميرة. وفي ظل زحام المعروض بدا أن المسلسل أقل مشاهدة حتى من مسلسله السابق. ولا يكاد يحظى بتعليقات ـ سلباً أو إيجاباً ـ وسط ترندات المسلسلات.
بعضهم أرجع ذلك إلى تقدم الفخراني في العمر، فلم تعد لياقته تسعفه على الحركة والتعبير، وجاءت معظم مشاهده جالساً، إما في بيوت، وإما في الحديقة العامة مع صديق عمره “عرفان” (صلاح عبد الله)، وإذا تحرك قليلاً يستند إلى عكازه.
ولعل أكثر الآراء قسوة دعوة البعض له بالاعتزال كي يستبقي صورته الجميلة في أذهان جمهوره ولا يتورط في أعمال دون المستوى.
من الطبيعي أن تتفاوت أعمال أي ممثل في القيمة والنجاح، وأن تتراجع لياقته بحكم السن، خصوصاً أن الفخراني يقترب من عامه الثمانين. لكن قرار الاعتزال شأن خاص يقرره مع أسرته، كما حدث مع رفاق دربه عادل إمام وصلاح السعدني. ويجب ألا يكون الجمهور قاسياً.
وربما تلك المرحلة تتطلب من الفخراني أن يبحث عن صيغ أخرى للحضور مثل التمثيليات الإذاعية أو الأعمال الدينية للأطفال، وقد سبق له أن قدمها بالفعل. وربما يحتاج إلى كتابة وإخراج أكثر ملاءمة. أياً كانت خطوته القادمة، فإن الانطباعات المتواضعة عن العمل تشير إلى أنه مسلسل للنسيان بالنسبة إلى مسيرة الفخراني اللامعة ولا يحمل أي إضافة له.
جو تسعيناتي
يخرج من يتابع حلقات المسلسل بانطباع عام أنه يقدم أجواء التسعينيات، ويسهل عقد مقارنة مع مسلسل “أبو العلا البشري” على سبيل المثال، كأن الفخراني تقمصته تلك الروح. في الحالتين لدينا رجل محترم ومنضبط وكيل وزارة على المعاش، كأنه يعيش غيبوبة عن التحولات من حوله، ويجد نفسه متورطاً في هموم عائلته من الأجيال الشابة التي تعيش بأساليب مغايرة لعصره وقيمه التي تربى عليها. ومثلما وجد أبو العلا نفسه متورطاً في قضايا غريبة ودخل السجن، أيضاً “بهجت الأنصاري” (الفخراني) يتورط في قضيتين بسبب فساد شريكته “نعنانة” (جومانة مراد) البائعة في الكشك، وشريكه الآخر المدرس “عبد البديع” (هشام إسماعيل)، ودوره نسخة طبق الأصل من دور محمد متولي في “أبو العلا البشري”.. أيضاً حالة “النوستالجيا” التي كان البشري مسجوناً داخلها تتكرر مع “بهجت” في علاقته مع “لبنى” (صفاء الطوخي).
كأن المسلسل بتلك الخطوط والشخصيات أقرب إلى مسلسل “البشري” منه إلى رواية إبراهيم عبد المجيد المأخوذ عنها.
 
 
جدل الاقتباس
نشر إبراهيم عبد المجيد روايته “عتبات البهجة” قبل أكثر من عشرين عاماً، ما يفرض سؤالاً: لماذا لم يتحمس أحد لتلفزتها إلا الآن؟ ألا توجد روايات شبابية معبرة عن اللحظة الراهنة كانت جديرة بالاهتمام؟
بالعودة إلى “تتر” المسلسل لدينا معالجة تلفزيونية أشرف عليها مدحت العدل بمشاركة مجموعة من الشباب، مع الاحتراز بأنه مأخوذ “عن رواية عتبات البهجة” أي أنه لا يقدمها نصاً بل منح نفسه حق الاقتباس والتصرف بحرية.
لكنّ الرواية نفسها ترتبط بجانب من سيرة مؤلفها إبراهيم عبد المجيد وشعوره ببلوغ الستين، وفقد الزوجة، وحياته في حي شعبي، وجولات المشي مع صديقه المقرب حيث تتاح الفرصة لتبادل النكات والنقاش بجرأة في قضايا مختلفة، وتأمل النماذج الشعبية المحيطة بالصديقين “أحمد وحسن” ومحاولة تفهم بلوغ الستين، والاقتراب من لحظات السعادة البسيطة العابرة، أو بمعنى آخر الوقوف على عتبات البهجة قد يكون أجمل من البهجة ذاتها.
فهل ما قدمه العدل يعد اقتباساً حقاً؟ الملاحظ أنه غيّر اسمي البطلين، وغير الحبكة المتمركزة حول شعورهما بالشيخوخة مع إصرارهما على الاستمتاع بالحياة، وجعل “بهجت” جَداً تجاوز الستين بكثير، وبدلاً من أن يكون لديه ابن وابنة مثل بطل الرواية، تحولا إلى حفيد وحفيدة.
ولم تعد الفكرة متعلقة بصديقين يواجهان الشيخوخة ويحتالان عليها، بل ركزت الدراما على قضايا الشباب مثل الحفيد عمر (خالد شباط) المتورط في أعمال إلكترونية غير مشروعة، والحفيدة “جميلة” (بسنت أبو باشا)، و”فلة” (هنادي مهنا) أخت “نعنانة”.
في ضوء التغييرات الكبيرة التي أجرتها ورشة السيناريو والابتعاد عن روح الرواية وحبكتها، لم يكن هناك حاجة حقيقية للجوء إليها، بل ربما التحرر منها كان سيخدم المسلسل ويضيف إليه. وعلى ما يبدو، تعلق الأمر باستثمار متبادل، يمنح المسلسل لنفسه قيمة استناداً لكونه مأخوذاً عن رواية معروفة، والرواية يُعاد تسويقها مع الدعاية للمسلسل.
رؤية تقليدية
لا خلاف على أن المخرج مجدي أبو عميرة كانت له أعمال ناجحة ومهمة أشهرها “المال والبنون” و”ذئاب الجبل” و”الضوء الشارد”. كما سبق له التعاون مع الفخراني نفسه في أعمال ناجحة مثل “حجا المصري” و”يتربى في عزو”، لكنه هنا يتحمل مع ورشة الكتابة ذلك الانطباع بأننا أمام دراما باهتة، يؤدي فيها الممثلون بفتور أو افتعال، اعتماداً على مواقف جزئية متوقعة تماماً ويتم حلها سريعاً. حتى بالمقارنة مع “أبو العلا البشري” الذي يعرض مواقف مشابهة، إلا أن الأخير كان أكثر حيوية ولديه رؤية متماسكة ورسم أفضل للشخصيات.
على سبيل المثل تعاني الكادرات من عتمة غير مفهومة، أو تثبيت إضاءة ناعمة ودافئة لا علاقة لها بطبيعة الحياة في الأحياء الشعبية، ولا يكاد المتفرج يلاحظ أي فرق بين المشهد الليلي والنهاري ولا الخارجي من الداخلي، ما ضاعف الشعور بالرتابة.
وإذا انتقلنا إلى رسم الشخصيات وتسكين الأدوار والأداء، لا تبدو جومانة مراد بمكياجها الصارخ معبرة عن روح سيدة شعبية تستزرق من “كشك” ولا أختها هنادي بجمالها ومكياجها وطريقة أدائها تشبه الواقع الذي يجري تجسيده، وبات من المتوقع في كل مشهد للشخصيات في الحديقة أمام الكشك أن يظهر التاجر الجشع “حنفي” (محسن منصور)، فنحن إزاء تقمص أنماط جاهزة ومألوفة للمتفرج، وبطريقة لا تثير الاهتمام بما فيها مشاهد الشباب مؤدي المهرجانات. فجوهر فن التمثيل ألا يشعرنا الممثل أنه يمثل بينما هنا نحن أمام محاكاة لأنماط تمثيل جاهزة ومستهلكة.
وإذا كان الحفيد متمرداً وغير مقر بالجميل للجد، فعلى النقيض منه جاءت الحفيدة “جميلة” بوصفها العاقلة الممتنة، مثل هذه الشخصية لا تسقط بسهولة في فخ تصوير نفسها عارية لصديقها، فمسار الشخصية ونمطها لا يقودان إلى ذلك لكنها رغبة صناع الدراما في التخويف من الهواتف الذكية والإنترنت والسوشيال ميديا!
حتى الجد وكيل الوزارة السابق المتعثر في مبالغ تبدو بسيطة نسبياً لعموم المصريين في اللحظة الراهنة، ليس شخصية مقنعة، بدءاً من حياته في حي شعبي، ومثاليته، وحالته المادية المتواضعة برغم وجود سيدة تساعد في أعمال البيت. ولا يظهر عليه أي علاقة بتخصصه كمهندس بل يخدع بسهول من مدرس وبائعة في كشك! وطريقة استثماره لماله نفسها لا تدل إلى أنه كان مهندساً!
فمن المهم أن تمتلك الشخصيات في رسمها وأدائها قوة الإقناع والتأثير، ولا تتحول إلى أنماط ملفقة لتمرير قضايا أخلاقية تحذيرية، تتعامل بريبة مع الشباب وتخوف الجمهور من وسائل الاتصال الحديثة.
حتى الأسلوب البصري الذي اعتمده المخرج وبالغ في نعومته وهدوئه، جاء متعارضاً مع طبيعة المشاكل المعروضة، ومع روح الحي الشعبي. وكأنه تعمد أن يختلق واقعاً مثالياً وزائفاً، غير قابل للتصديق على مستوى شخصياته ولا بيئته ولا حكاياته.
المصدر: القاهرة- النهار العربي
شريف صالح

اترك رد