منبر العراق الحر :
لم تكن الحرب أبعد من الحب في قلوب الذين يسكنون قريتنا ، فتلك الثنائية ( البائية ) والتي تنتهي بحرف يشبه الزورق ( الباء ) ، وهذا الزورق هو من يقودهما الى ذلك القدر المختفي في نقطة ما في سماء العالم ولكنهم يشاهدونه بأرواحهم وبوضوح متى بدء أبنائهم يجيئون شهداء من ساحات المعارك.
وذات النحيب السومري هو من تنشده الأمهات كسمفونيات لذلك الوجع الذي يجعل الجواميس في بعض أيام تلك المآتم لأن تذهب وحيده وتجر خطاها من الزرائب الى امكنة قيلولتها ويمر نهارها حزينا بدون رعاتها وهي تستمع الى نواح النساء القادم من بيوت القرية.
لمستُ الوجع بصورته الجديدة عندما انشد ذات صباح نحيب أم بمواويل شدو تفجع أي نعاس ، فلم نسمع الديك ليوقظنا مثل كل صباح ، إذ صمت وانكفأ في قنه ولم يتكلم وترك أم ( روشان ) تنحب على اول فجيعة اتت بنعش الى قريتنا كأول قرابين الحروب حين جاءوا بروشان مذبوحا بطلقة برنو من اقاصي الشمال التي ذهب اليها ويعرف انها ليست حربه ، ولكنه خجول وطيب ومطيع لم يهرب مثل اقرانه ويسكن اكمة القصب ، بل ترك قبلة على جبهة والدته وقال : ما يكتبه الله ، أوراقه وجدار حروفه حياتنا.
واظن أنه أخذ هذه العبارة من إهداء كتبه صديق لي على مجموعته القصصية وحين انتهيت من قراءتها اهديتها الى مكتبة المدرسة وذات يوم عندما كان روشان من محبي القراءة في الصف الخامس نصحته بقراءتها لأن أحداثها في الريف ، ويبدو انه احب عبارة الاهداء التي كتبها المؤلف على الكتاب وحفظها على ظهر القلب .
فكان أن ردت عليه الأم بحكمتها : انا قلت يا علي ..والشمال قال هاتيه أليْ..
قتل روشان يتيم الأب في حرب لا يعرف معناها . .
ولأن العريف سمعه ذات يوم يقول :هذه حرب لا تليق بأهل الأهوار فهي ليست حربهم ولا يكرهون احدا هنا في هذه المرتفعات ليحاربوه ، لهذا دفعوه الى ربية متقدمة فوق جبل هندرين ، وهناك تلقى قدره بالذهاب الى السماء بعربة الصمت .
الدولة كتبت عنه في مكاتباتها ومعاملة تقاعده أنه شهيد وأمه قالت : مات لأنه يتيم ومكرود.
ولأنها بقيت وحيدة مع ابن آخر لم يبلغ رشده بعد ، فأننا طلبنا من شغاتي أن يُكملَ مع الأم معاملة تقاعد ولدها ، فكان يذهب معها كل يوم الى الناصرية . وحين استلمت مكافأة موت ولدها في حرب شمال . أخذت المكافأة وطلبت من الرجل الذي يبني المضائف في الجبايش أن يبني لها مضيفا جديدا .
اجاب الرجل : ولكنكِ قبل عام أعدتِ بناء مضيف زوجك الله يرحمه.
قالت :كلا اريدك أن تبنيه قرب قبر أبي روشان وروشان ليتسامرا فيه كل ليلة وهما يشربان الشاي ويستمعان الى نحيبي وشوقي اليهما …!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر