منبر العراق الحر :
….سؤال الهوية الثقافية الحضارية للعراق ، وجواب الخطأ الشائع …..
لقاء جمع الفيلسوف والعالم والسياسي المهم نعوم تشومسكي مع الشاعر العراقي مظفر النواب عام 2007 ، تشومسكي يسأل النواب : هل تعتقد أن الهوية الثقافية الحضارية للعراق يمكن أن تعود بعد الهجمة الظلامية ومارافقها .
يجيب النواب فيقول : نعم سوف ترجع لأن جذور الثقافة عميقة لدى الشعب العراقي وبمجرد أن تنتهي هذه المرحلة السيئة .
الانقطاع الطويل للشاعر مظفر النواب عن العراق زهاء أربعين عاماً، وعدم متابعته الدقيقة للتحولات التي انساق لها المجتمع العراقي على مدارج الأحداث الرهيبة كالحروب الثلاثة الكبرى ، وثلاثة عشر عاماً من حصار ضرب الغالبية العراقية بالجوع والفاقة واليأس، والاحتلال الذي كرس الطائفية السياسية كمنهج حكم وسلوك عزل اجتماعي أسقط معه فكرة وثقافة المواطنة، حتى وصل بالانطواء الطائفي على جميع أبعاد ومستويات الدولة والمجتمع .
مانتحدث عنه حصل بزمن يزيد على أربعين سنة ونيف، أي ابتداءً مع مطلع الثمانينات وولادة جيل الحرب العراقية _ الإيرانية، وتأسيس نواتات صلبة لفكرة الطائفية، والازدواجية التي عاشتها الأغلبية الشيعية التي تم تفويجها لمحاربة إيران في وقت تعتقد نسبة عالية من تلك الأفواج أن إيران تمثل عمقها العقائدي وانتصار ثورتها يشكل بداية لنهاية المظلومية الشيعية، هذا الانشطار النفسي الذي عانت منه شرائح واسعة من الشيعة العراقيين كانت تشكل المساحة الأوسع من جسد التنظيم البعثي والحكومي أيضاً، والأكثر اندفاعاً واخلاصاً في الولاء للحزب والسلطة الدكتاتورية آنذاك، بعضها بدافع الإيمان وأكثرها ولاءات كاذبة بدافع الخوف والحصول على منافع وامتيازات .
حرب إيران التي امتدت لثمان سنوات 1980-1988 التهمت مايزيد على مليون قتيل ومعاق ومفقود، وتركت نحو مليون عائلة بلا آباء ! وقتها عاش المجتمع العراقي حالة مبكرة من العزل الطائفي والشتم الطائفي الذي تعاظم بعد انتفاضة آذار 1991 أثر هزيمة الجيش العراقي من الكويت إبان حرب تحرير الكويت التي أقدمت عليها حكومة صدام حسين في ضرب جنوني عالي المستوى، لأنه خاض الحرب ضد تحالف دولي يضم 33 دولة بقيادة أمريكا !؟
بعد 1991 أصبحت المكونات العراقية من شيعة وسنة واكرادوتركمان وغيرها، يتم التعامل معها بحسب ولائها للرئيس صدام حسين والاستجابة لقراراته ، وأصبحت الإساءة لمكونات أساسية وشتمها بالصحف الرسمية وبتوجيه من الرئيس ظاهرة طبيعية، فقد وصف الشيعة بكونهم بقايا شعوب فاقدة للشرف، واعدم رموز دينية وعسكرية من السنة بعثيين وغير بعثيين وتعرض الكرد لحملات إبادة ممنهجة ، وهكذا كانت العلاقة بين السلطة والشعب علاقة عدائية سافرة .
نحن هنا نتحث عن عقدين من الزمن كان ضحيتها الشعب العراقي جراء سلطة متغطرسة عدائية وقد أغلقت منافذ الثقافة والوعي وتنوع الأفكار والآراءوأبقت على ثقافة الصوت الواحد وهو فكر الحزب الواحد “البعث “وخطاب الرئيس ، بل مارست عملية تجذير لثقافة تافهة نفاقية هي ثقافة الحرب وتمجيد القائد الدكتاتور وتسطيح معاني الفكر وإفراغ المشهد العراقي من أية محاولة للتنوع الثقافي والفكري المختلف أو التقدمي ، أو حرية الرأي المغاير والنقد أو محاولات إعادة النظر بالانحطاط الذي كان يحدث ، لقد كان الأمن المعيشي والحفاظ على النفس والعائلة ديدن المثقفين والاكاديميين فنجدهم يذهبون باقدامهم لمجازر السلخ الفكري والمسخ السلوكي في الكتابة والتأليف لتمجيد بطولات وفكر القائد ، نجا البعض من تهمة الخيانة الثقافية بالانتحار كما فعلت الدكتورة حياة شرارة وبناتها ، والبعض فلت من المستنقع بأقنعة دراسية أو أسباب صحية، في تلك السنوات تهرأت فكرة وثقافة وسلوك المواطنة وتجمدت مشاريع التفكير الحر وانعدمت جميع أنواع الحريات التي تتعارض مع فكر وتعليمات البعث والأجهزة القمعية التي كانت تشرف على جميع مفاصل الدولة .
الظواهر الأخطر التي غفل عنها الشاعر مظفر النواب تلك التي برزت بعد سقوط النظام الدكتاتوري واحتلال العراق من قبل الجيش الأمريكي وقوات التحالف الدولي، عندها انفجرت ثقافة الهويات الفرعية الطائفية والدينية والعرقية والإثنية والمناطقية وغيرها مما كان مكبوتاً طيلة نصف قرن من الزمن، أما ماذا فعلت تلك الهويات الفرعية من خراب لفكرة المواطنية فهذا الأمر يستغرق دراسات عديدة، لكن باختصار نستطيع القول أنها فتحت منافذ لدخول أجندات ليس لها حصر من خارج العراق، وكانت سببا ً ولم تزل في معارك طائفية وعنصرية ومناطقية ودينية، وفعلت فعلها بتمزيق أي مشروع لهوية ثقافية حضارية تنهض من جديد في العراق بعد زوال الدكتاتورية، وثبت بالتجربة المعاشة عدم إمكانية نشوء هوية ثقافية حضارية في ظل انعدام هوية المواطنة، ولعل في ظهور ” داعش ” وماسبقها ومالحقها خير دليل على تمزق وغياب ليس الجذور الثقافية وحسب، بل انعدام المشاعر المواطنة والإنسانية في مجازر إبادات جماعية ارتكبت من قبل داعش وصناعها .
لقد تمركزت ثقافة السياسة الطائفية بعد 2003 ، بل أصبحت ضرورة وحاجة أساسية ( نفسية وسلوكية) يحتمي بها الفساد المستشري -المتغول في جميع مفاصل الدولة، وقطاعات واسعة من المجتمع للأسف، ثقافة الاحتلال وتنوع مراكز نفوذه وتنوعه مابين الأمريكي والإيراني والخليجي والتركي والبريطاني ،مزقت الروح العراقية وقطعت العلاقة بالجذور الواهنة لما يعتقده البعض، ومنهم الاستاذ النواب بأنها عميقة ، وهنا سوف نتجاهل مجازر القتل الطائفي والعرقي التي ارتكبت من قبل العراقيين ضد بعضهم ، لأنهم بلا جذور ثقافية عميقة أو نواة وطنية صلبة، بل حتى أنهم أضحوا بعيدين عن فكرة الدولة العراقية الواحدة ، وكل مكوّن يبحث عن استقلاله بدولة منعزلة أو ( إقليم ) للخلاص من الآخر الوطني الذي يهدد وجوده .
تجذير فكرة عراق بلا تاريخ بدأت تنجح في سلوك الحكومات العراقية بعد 2003 ، أي مسخ تاريخ العراق وتأسيس عراق آخر هجيني بلا هوية وطنية، بل هويات عرقطائفية تتصارع على المال والنفوذ وتخضع لمحاور قوة دولية عقائدية أو سياسية، وغالبية الشعب غافلة أو قابلة لما يحدث لأنها غالبية ليست متحررة من الهيمنة والمخاوف من الآخر داخل وخارج الوطن، كما أنها غالبية تخضع لعملية سياسية تعتمد نظام اقتصادي ريعي وضعت الشعب تحت تصرفها لأنها تمتلك المال الحاصل من تسويق النفط، وتلك واحدة من عناوين هشاشة المجتمع والدولة في وقت واحد .
الشعب العراقي وخلال أربعين سنة مضت عاد لواقع الأمية الثقافية، كما تضاءلت حركة انتاج الفكر والحضارة التي سادت في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي على المستويات العلمية والأدبية والفنية والجمالية وغيرها ، انفتحت الساحة الثقافية بعد 2003 على مظاهر غاية في الاغتراب الثقافي والحضاري عن ماضي العراق القريب ، أي (الخمسينات والستينات والسبعينات ) ، لقد نهضت الثقافة الطائفية والإسلامية ومناهج الحداثة ونقد الثقافة الإسلامية باطروحات كتاب ومفكرين من بلاد المغرب العربي وإيران ومصادر أخرى غربية، جاء هذا الإنفتاح بعد قطيعة استمرت نحو ثلاثة عقود، كما انتشرت ثقافة الكراهية إزاء الآخر المختلف طائفياً وعقائدياً، وعادت ظاهرة المنابر الإسلاموية بجمهورها الغفير وتعويمها للفكر الإسلامي وتسطيح العميق منها وتعميق فكرة وسلوك العداء للمختلف دينياً ً ، وحلت ضروب من شيوع الأمية بأحاديث عن العلم والتاريخ واغلبها تطوف في بحيرة الجهل والأمية والمعلومات المشوهة عن النقل الشفاهي لأسطرة القناعات الطائفية بسذاجة معلنة .
أربعة عقود ونصف العقد ماتت فيها جذور الهوية الثقافية والمواطنة العراقية وانتحرت فكرة الهوية الحضارية للعراق بعد تراكمات مظاهر وسلوكيات التخلف والانحطاط والاغتراب وتدمير التاريخ العراقي الذي أصبح يمضي بخطوات ممنهجة نحو الاندثار ، تحولات جوهرية انسحب معها جمهور كبير بل الغالبية من العراقيين على امتداد جيلين من الزمن .
الشاعر الكبير مظفر النواب يمتلك خزين ثقافي ومعلومات في التاريخ وبنية المجتمع العراقي وتفصيلاتها التي دلته عليها افكاره الشيوعية وثقافته التقدمية المنفتحة ومعايشته اليومية لتفاصيلها المختلفة، لكن تلك الثقافة بدأت تفقد أصولها وجذورها بعد مغادرته العراق خلال سبعينات القرن الماضي، وتحول العراق عند مظفر النواب إلى فكرة سياسية وليس واقعاً متغيرا وأحداث توليدية لأفكار وسلوكيات وتأصيلات جديدة ومغايرة لما درج عليها شاعرنا النواب ، من هنا أراه قد جانبه الصواب بحديثه عن إمكانية أن يعود العراق لهويته الثقافية الحضارية ، وقد غادرته الدقة باعتقاده أن العراق يمتلك جذور ثقافية عميقة كما يذهب البعض في هذا الخطأ الشائع بالحديث عن حضارة شعب عمرها آلاف السنين، دون معرفة تفصيلية عن أي شعب يتحدث ومراحل الإزاحة والغزو والاحتلال واستبدال الأجناس واختلاط الأعراق حتى بات الشعب العراقي يشكو حساسية الهوية التاريخية الخالصة .

منبر العراق الحر منبر العراق الحر