منبر العراق الحر :
قرأت خبرا غريبا وحزيناً في موقع اخباري ولا أعرف مدى مصداقيته والخبر يقول : “في مدينة الكوت صاحب فرن للصمون قتل صاحب فرن آخر لأن الآخر يبيع كل عشرة صمونات بألف دينار .”
اعرف من قراءاتي أن الخبز هو سر الثورات وهاجسها الأول وبسببها يذهب الكثير من الضحايا ، والقول المأثور والمنسوب لأكثر من قائل يتحدث بصيغته المعنوية والأنسانية بالقول : أني لأتعجب من رجل ينام وليس في بيته خبز ولا يخرج شاهراً سيفه .
وهناك كوميديا هزليه فطيرة صنعتها ذائقة فوضى العولمة وحداثة كل شيء وأي شيء لأغنية مطرب شعبي عنوانها (( صمون كل عشرة بألف )) وربما صاحب الفرن المغدور أخذ بمطلع الاغنية وفحواها وقرر أن يبيع الصمون كل عشرة بالف حتى لو وصل سعر الطحين نمرة صفر الى خمسة وثلاثين الف دينار .
هذا الموت الغريب يفسره القاتل دفاعا عن مصدر الرزق لانه يتسائل كيف يباع الصمون هكذا وهو لايوفي ثمن الشراء ، وماقام به الضحية إلا بدافع قطع الرزق ومنعنا من أن نبيع صموننا ويخسر الفرن ونغلقه .
ويرد الضحية وهو محمولٌ في نعش حزن اهله وجيرانه وأصحاب افران المدينة : أنه ضد الجشع وحسبها أن عشر صمونات بألف تربح ولكته ليس ربحا كبيرا مثل الذي تعود عليه قاتلي .انا قنوع وأحب الفقراء لهذا قُتلت.
اتخيل شكل الصمونة في مرسومة في عيون أطفاله . وأتخيل ساعة الجنون التي دفعت القاتل ليبرر فعل الموت بضحيته حين طالب الضحية ببيع الصمون كل ثمانية بألف فرفض.
هاجس الخبز هو هاجس حضاري تداخل مع الحاجة الانسانية لنشوء هذه الحضارات وديمومتها .وكان الحكماء ينصحون العشاق بالقول : لاتكتبوا خواطر قلوبكم وانتم جائعون . ومقولة المسيح الازلية :ليس بالخبز وحده يحيا الانسان .قد لا يقترب بالود منها الكثير ، لانهم يدركون أن اطفالهم لايستطيعون الذهاب الى المدارس بدون خبز، ولا يستطيعون الدفاع عن حدود وطنهم في وجه الغزاة بدون خبز ، وحتى لايستطيعون همس عبارة الشوق في الليل الى زوجاتهم بدون خبز . ولكنه في المفاضلة بين فرق صمونتين لا يبرر الجنوح الى الجرم وجعل السكين هي القاضي الذي يعيد العشرة الى ثماني صمونات .
صورة حزينة ومأساوية كهذه اجدها من مسببات الهواجس الهجينة والغريبة التي سكنت الشخصية العراقية بسبب عدم انضباط الايقاع المجتمعي في الحياة اليومية وتقع فيه المسؤوليات أولا على البرنامج الحكومية التي ينبغي أن يدفع وزارة مثل وزارة التجارة الى توفير الطحين في البطاقة التموينية وضبط الاسعار ،وهناك ضباطاً تربوياً في تعليم الاجيال قيم التسامح والمودة ، وهو دور المنابر ايضا والقنوات التلفازية التي تنزل مطراً على رؤوس المشاهدين .
صورة الخبز أرتبطت مع الموت في عدد لايحصى مع مشاهد الحياة الأرضية منذ عهد ادم والى اليوم والصمن الذي بيع عشرة بألف هو من بعض انواع الخبز الذي سجل وقائع هذا القتل الغريب الذي حدث في مدينة عراقية أسمها الكوت .
اترك العشرة بألف والدم المسال على كرات العجين الابيض وقت الحادثة ، واستذكر شيئا له علاقة بالخبز اثر في قراءتي كثيرا وهي رواية الخبز الحافي للروائي المغربي محمد شكري وهذا المقطع المؤثر منها :
(( دخل أبي. وجدني أبكي على الخبز. أخذ يركلني ويلكمني: اسكت، اسكت، اسكت، ستأكل أمك يا ابن الزنى. رفعني في الهواء، خبطني على الأرض، ركلني حتى تعبت رجلاه وتبلل سروالي”.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر