منبر العراق الحر :
انقلاب ظاهرة الشارع العراقي صاحب الحزب الواحد قبل 2003, إلى شارع سياسي يضج بمئات الأحزاب والتيارات السياسية، لم ترتق كمنتج وطني معنوي يعبر عن ردة الفعل لسنوات الحرمان والقمع لنظام الحزب الواحد، بل كانت ظاهرة وهمية وإحدى علامات الفساد السياسي المرافق لشؤون الاحتلالات المتعددة التي غزت العراق بعد 2003، هذا ما كشفت عنه سنوات الحكم التي تزيد على اثنين وعشرين عاما (2003-2025)!
آخر إعلان لدائرة الأحزاب في مفوضية الانتخابات تشير إلى وجود “319” حزبا مجاز رسميا، وهناك”44” حزبا تنتظر التسجيل، وهذا العدد المتزايد للأحزاب سنويا صار يدخل في معادلات التخادم بين ما هو تجاري وسياسي، حيث تكرس رؤوس الأموال لإنشاء أحزاب أصحابها تجار ومقاولين كبار وأصحاب مصارف، أو مستثمرين في عقود الدولة والوزارات، بعد أن احتكرتها أحزاب السلطة المعروفة، وشكلت ملاحق حزبية لها بالمال السياسي، وكانت أحزابا كارتونية تمثل تنويعا للخروج من العباءة الإسلامية نحو العناوين المدنية والليبرالية وغيرها.
لماذا تتكاثر الأحزاب في العراق؟
الإجابة بإيجاز هي للوصول إلى السلطة أولاً ثم الحصول على الامتيازات والنفوذ والعقود مع وجود حصانة السلطة البرلمانية أو النفوذ الحكومي، الجميع من ذوي الأموال وهواة الحرام والكسب اللاشرعي، يفكر بهذا كمنهج ومخطط يقدم له ملايين الدولارات! أحد التجار الذي يستولي على عقود من الوزارات سئُل عن سبب انهماكه في تأسيس حزب سياسي وشراء أصوات نواب وشيوخ وأعضاء مجلس محافظة، فقال هذا التجار، المستجد في عالم المال والأعمال: أنا بدل ما أتعرض للابتزاز ودفع الأموال رشى للسياسيين ورجال السلطة، أنا أصبح سياسياً، ومن رجال السلطة، من خلال حزب امتلكه ويمنحني الحصانة البرلمانية ونفوذاً ووزارة أو أكثر!؟ وبالفعل تمكن هذا التاجر “الذكي”، من تحقيق ما كان يفكر به؛ لأنه امتلك أموالا وفيرة من عقود الفساد الحكومي. وهكذا تستطيع اليوم أن تتحدث عن عدد من أعضاء مجلس النواب أصبحوا نوابا وفق هذا السياق!؟
أموال الفساد صارت تتناسل أحزابا وتيارات تتعامل بالمال في شراء الإعلام والأصوات، وكل ما يتعلق بالوصول لسلطة مجلس النواب والحكومة.
تلك ظاهرة عامة، بل أصبحت قاعدة تتحكم بالمشهد السياسي العراقي بجميع تنويعاته الطائفية والقومية والإثنية والمناطقية والعشائرية، لكنها لا تنفي استثناءات محدودة بوجود عدد قليل من أحزاب تجتهد وطنيا، وتسعى للحضور وتشكيل بصمة مغايرة لها، لكنها لا تحظى بالإمكانات المادية العالية ولا بالدعم الخارجي الذي يكتب لها النجاح، وأزيد على ذلك وجود جماعات وطنية نقية تلتقي على أهداف ومصالح الوطن والناس ومشروع التغيير والإصلاح، لكنها لا تستطيع أن تشكل حزبا كونها تفتقر للمقدرات المالية التي يقترحها الظرف العراقي والتنافس الذي أطلقه المال السياسي المنهوب من حقوق الشعب.
هدف السلطة ومنافعها اللامحدودة في دولة – المزرعة، جذبت العديد من رجال “الدين” وزعماء الفصائل المسلحة للانخراط في تشكيل أحزاب والاشتراك في الانتخابات والحصول على مقاعد برلمانية ووزارات أو مواقع حكومية مهمة في تعزيز ثروات هذه الأحزاب.
هل يوجد قانون للأحزاب يحدد شروط التأسيس والتمويل وعدم الارتباط بالأجندات الخارجية؟ نعم يوجد قانون يتوفر على شروط وطنية جيدة، لكن لا يعمل بموجبه إلا شكليا؛ لأن نفوذ المال والسلاح أقوى من القانون في عراق اليوم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر