العراق والإمارات: تفاوت في الظروف والتحديات نحو المستقبل*… ناجي الغزي

منبر العراق الحر :
لا يمكن مقارنة العراق بدولة الإمارات العربية المتحدة، لكونها مقارنة مجحفة وغير منصفة لا تأخذ في الحسبان الظروف الاستثنائية التي مر بها العراق خلال العقود الماضية. صحيح ان العراق يمتلك تاريخاً طويلاً وحضارة عظيمة، ولكنه يواجه منذ عقود تحديات غير مسبوقة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وفي المقابل استطاعت الإمارات بناء منظومة اقتصادية وبيئية متميزة، وذلك بفضل حاكميتها التقليدية المتوارثة ونظامها السياسي وتكوينها الاجتماعي وموقعها الجغرافي. وعلى الرغم من حداثة نشأتها كدولة موحدة، مما يجعل المقارنة بين الدولتين غير عادلة أو دقيقة.
شهد العراق منذ تأسيس الدولة عام 1921 سلسلة من الانقلابات والحروب المدمرة، بدءاً من انقلاب عبد الكريم قاسم على النظام الملكي الى انقلاب القوميين والبعثيين عام 1963 و انقلاب 1968 الى الحرب مع إيران في الثمانينات، وعقبها احتلال الكويت وفرض عقوبات اقتصادية جائرة انهكت المجتمع ودمرت الفرد العراقي وعطلت التنمية المستدامة والتطور والتقدم وصولاً إلى الغزو الأمريكي في 2003. هذه الحروب والظروف كانت لها آثار كارثية على الوضع الداخلي للعراق، حيث أسفرت عن بنية تحتية مدمرة، إضافة إلى نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية مؤلمة. دفع العراق كدولة وشعب ثمنًا باهظًا جراء هذه الحروب، ما أدى إلى تفكك المجتمع وانتشار التناحر الطائفي والمكوناتي، مما جعل بناء دولة مستقرة أمراً بالغ الصعوبة.
أدى الغزو الأمريكي للعراق إلى تفكيك المنظومة السياسية والاجتماعية القائمة، ما أسفر عن انهيار النظام الدكتاتوري وترسيخ واقع جديد اتسم بالفوضى وعدم الاستقرار. ومع فرض نظام سياسي جديد قائم على التوافقات الطائفية التي صاغها المحتل ورسختها التعقيدات الداخلية، افتقر المشهد السياسي إلى الانسجام والتماسك السياسي والاجتماعي، مما أفرز بيئة هشّة غير قادرة على مواجهة التحديات الجوهرية التي تعترض مسار الدولة.
في ظل هذه التركيبة السياسية المضطربة، برزت حالة من “الشلل السياسي”، حيث تراجعت المصلحة الوطنية أمام التنافس على النفوذ بين القوى السياسية المختلفة، مما أدى إلى تعطيل آليات الحوكمة الفعالة وإضعاف قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة. هذا الواقع جعل العراق يواجه تحديات مركّبة تستلزم حلولاً استراتيجية تعيد بناء الدولة على أسس أكثر صلابة وتماسك.
وعلى الرغم من أن العراق يمتلك ثروات هائلة من النفط، إلا أن هذه الثروات لم تكن كافية لتحسين الأوضاع الاقتصادية بسبب الحروب المستمرة والديون الهائلة التي تراكمت نتيجة لذلك. كما أن العراق عانى من تداعيات الحصار الاقتصادي في التسعينات والنفقات العسكرية الضخمة، التي استنزفت موارده. بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية التي ساهمت بعدم الاستقرار، بما في ذلك تهديدات الإرهاب مثل التفجيرات الذي ضربت المدن العراقية على مدى عقد ثم جاءت مؤامرة تنظيم “داعش”، الذي ادى الى تعميق الأزمة السياسية والامنية والاقتصادية في العراق.
*دور الإمارات في التطور الاقتصادي والاستقرار السياسي*
الإمارات العربية المتحدة تتبنى نموذجاً سياسياً قائماً على الاستقرار والاستمرارية، حيث يستند نظام الحكم فيها إلى التوارث داخل الأسر الحاكمة لكل إمارة، مع اختيار رئيس الدولة من بين حكام الإمارات وفقاً لأحكام الدستور. هذا الإطار السياسي عزز من استقرار الدولة وأسهم في ترسيخ بيئة مواتية للنمو الاقتصادي والتطور المستدام. فضلا عن ذلك حاولت الاستفادة من قلة سكانها الذي لايتجاوز المليون نسمة وكثرة مواردها.
وانطلاقاً من رؤيتها الاستراتيجية الشاملة، استطاعت الإمارات تحقيق تحول نوعي في هيكلها الاقتصادي، مرتكزة على التنويع وتعزيز القطاعات غير النفطية، مع بناء بنية تحتية متقدمة تدعم مكانتها كمركز عالمي للأعمال والاستثمار. كما استغلت الدولة ميزاتها الجيوسياسية ومواردها الوفيرة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، مع اتباع سياسة خارجية متوازنة مكّنتها من ترسيخ شراكات استراتيجية قوية مع القوى الكبرى، ما جعلها لاعباً مؤثراً في النظام العالمي الحديث.
ومن خلال استراتيجية التنمية المستدامة، استثمرت الإمارات في قطاعات متعددة مثل السياحة، والطاقة المتجددة، والفضاء، مما جعلها نموذجاً يحتذى به في العالم العربي. فضلاً عن ذلك، استطاعت الإمارات أن تبني مؤسسة سياسية مستقرة تتمتع بثقة كبيرة في الداخل والخارج، وتعمل على تعزيز الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط.
التحديات التي تواجه العراق مقابل الإمارات:
يواجه العراق مشهداً معقداً من التحديات المتشابكة داخلياً وخارجياً، حيث يتجلى الصراع الطائفي والتناحر بين مكوناته كعوامل تعرقل بناء دولة مستقرة، في ظل تدخلات إقليمية ودولية تعمّق حالة عدم التوازن السياسي وتؤثر على مسارات صنع القرار الوطني. ورغم ما يملكه العراق من ثروات طبيعية هائلة، إلا أن الأزمات الاقتصادية المتراكمة على مدى العقدين الماضيين، والمتمثلة في الديون المرتفعة، والإنفاق العسكري المستمر، والبيروقراطية المترهلة في القطاع الحكومي، وغياب الدور الفاعل للقطاع الخاص، أدت إلى استنزاف موارده دون تحقيق تنمية مستدامة.
وفي الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة الراهنة توجهاً براغماتياً يعزز الاستقرار الداخلي ويُحرر الاقتصاد من الارتهان للخارج، لا يزال العراق يميل إلى تبني الشعارات القومية والدينية والعقائدية، متخذاً من نفسه محوراً للمقاومة، ما ينعكس على سياساته الخارجية، وخاصة في علاقته المتينة مع إيران. هذا التوجه جعله في موقف صعب، حيث يدفع ثمناً باهظاً على المستويين الاقتصادي والسياسي، إذ يبقى اقتصاده مرهوناً بالتوجهات الأمريكية والعقوبات الاقتصادية، فيما يتعرض استقراره الداخلي لاختلالات عميقة تُضعف قدرته على بناء دولة قوية ذات سيادة اقتصادية وسياسية مستقلة.
في المقابل، تمضي الإمارات بخطى ثابتة نحو المستقبل مستندة إلى رؤية استراتيجية تُوازن بين الابتكار والتخطيط طويل الأمد، ما يتيح لها القدرة على استشراف التحديات والاستعداد لها بحلول متقدمة. ومن خلال استثمارها في مشاريع كبرى ضمن قطاعات حيوية مثل الفضاء والطاقة المتجددة، ترسّخ الدولة موقعها كمركز عالمي للابتكار، وتعزز من نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي على الساحة الدولية.
أما على المستوى السياسي، فقد تبنت الإمارات نهجاً براغماتياً يقوم على الابتعاد عن الخطابات الأيديولوجية القومية والدينية، والتركيز على بناء تحالفات وشراكات استراتيجية مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول العظمى. كما شكّل تطبيع علاقاتها مع إسرائيل خطوة تعكس إدراكها لأهمية إعادة تموضعها الجيوسياسي، بما يعزز حضورها في المعادلات الإقليمية ويدعم مكانتها كلاعب دبلوماسي فاعل في توازنات المنطقة والعالم.
*المستقبل والأمل في العراق*
يمر العراق اليوم بمنعطف حاسم يستوجب تبني استراتيجيات إصلاح شاملة تعيد رسم ملامح المشهدين السياسي والاقتصادي وفق رؤية متماسكة تضمن الاستقرار والتنمية المستدامة. فإعادة بناء المؤسسات على أسس قوية وتعزيز الوحدة الوطنية بين مكوناته المتعددة باتت ضرورة ملحّة لمواجهة التحديات المتفاقمة. كما أن تحقيق تسوية سياسية حقيقية، قائمة على توافق داخلي بعيد عن الإملاءات الخارجية، يمثل شرطاً جوهرياً لإرساء الاستقرار، إلى جانب الحاجة إلى تطوير إطار دستوري أكثر مرونة واستجابة لتطلعات الشعب العراقي.
وفي سياق التحديات الراهنة، يبقى العراق في مرحلة معقدة تتطلب قرارات جريئة وإصلاحات جذرية على مختلف الأصعدة. ورغم التباينات الجغرافية والجيوسياسية بين العراق والإمارات، يظل النموذج الإماراتي مثالاً على إمكانية التحول الاستراتيجي المدفوع بالإرادة السياسية والرؤية الواضحة. وبذلك، يمكن للعراق أن يستعيد عافيته ويحقق نهضته إذا توافرت إرادة وطنية صلبة مقرونة بدعم دولي فاعل يواكب متطلبات المرحلة ويعزز مسار الاستقرار والتنمية.

*/ كاتب سياسي

اترك رد