الأهوار والآلهة الفرنسية….. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
أحلام المعلمين في مدارس الأهوار تسرح وتمرح مجاناً وأجمل ما يعوم في أنهر أخيلتها هما رسائل الحب وتذاكر السفر. وعلى حد قول أحدهم: نرضى لتلسع فينا حشرة الحرمس ثمانية أشهر من أجل شهر واحد تسلعنا فيه قبلات بنات اوربا .
في تلك الأيام النائمة على وسادة النعاس وسجادة الأحلام ، كل واحد منا يضع في جهة الخيال وجها ، وكنت ومعلم آخر في مدرستنا نضع وجه الممثلة الفرنسية كاثرين دينوف إنموذجا للحنين والرغبة أن تكون باريس مدينة نتعلم فيها سعادة الوجوه وكتابة الشعر والمكوث فيها بعد سن التقاعد ،ومن بين احلامنا هو رؤيتها والحصول على توقيع على واحدٍ من تصاويرها التي يضيء فيها وجهها كقمر مكتمل.
والى حين تحقيق الحلم كنا نستحضر وجهها من خلال شاشات قاعات العروض السينمائية ، وكانت تلك الأمكنة واحة خصبة لسياحة الخيال وكتابة القصص والخواطر ورسائل الحب ، ومن يريد أن يمتلئ بالشوق إلى أنثى يتمناها ويتخيلها يذهب ليشاهد فلماً رومانسياً هندياً ، أو يتمتعُ بشهوة عينيه مع جسد الفاتنة هند رستم أو برجيت باردو أو راكيل وولش.
كانت الدهشة تصبغنا بأشياء كثيرة ، ومع الأفلام الملونة نَمَتْ فينا هواجس جديدة لها طعمٌ آخر حملته الموجة الجديدة لوجوه الممثلات ، وربّما السينما الفرنسية أخذت منّا الكثير من سحر التسمُّر أمام شاشات السينما وقراءة خارطة تفاصيل الجمال في لذة الزبدة الفرنسية التي كنا نحلم على تذوقها على شكل صورة . والغريب أن بقية المعلمين لكل واحد منهم ممثلته المفضلة إلا انني وزميلي المعلم “فرات عذاب مناحي” بقينا أوفياء لوجه كاثرين دينوف واتفقنا إن قررنا حَملَ حقائبنا في عطلة الصيف الى باريس فسيكون سفرنا سوية . وبمزاح يقول فرات :إن خَدمنا القدر والصدفة واقتربنا منها .نطلب بوستين ( قبلتين ) من خدها ، أنت على خد وأنا على الخد الآخر. ولأننا قادمون من الأهوار ، لا نهديها الورد بل نهديها صحن القيمر .
وهكذا عشنا في حلم أمنية مشتركة ،مرة نستعيدها ومرة ننساها ، وذات يوم كنا أنا وفرات قادمين من عطلة الخميس والجمعة في مدينتنا الناصرية وعلينا الركوب بمشحوف من الجبايش الى القرية التي تقع فيها مدرستنا ،وكان هذه المرة مشحوفا كبيرا شاركتنا فيه الركوب خمسٍ من بائعات القيمر ، اثنان من بنات قريتنا واحداهن كانت تلميذة في المدرسة وصلت الى الرابع الابتدائي وتركت المدرسة لتعين والدتها في بيع القيمر .وثلاثٍ من قرية اخرى سوف يوصلهن اولا ثم ينحدر المشحوف الى قريتنا البعيدة .
تلون الخجل بحمرته على وجوهنا ونحن نجلس لأول مرة مع بنات القرية في مكان واحد وضيق ويتهادى فيه الزورق وسط الماء وصديقي فرات يهمس لي : في مركب نوح من كل زوجين اثنين ذكر وأنثى ،الآن في السفينة ثلاثة ذكور وخمس أناث وقد صبغت حمرة الخجل خدودهن اكثر منا ، وصرن يتهامسن بضحكات خفيفة ، فكان عليَّ أن أثبت للبنات بأن واحدة منهن كانت تلميذتي قبل سنوات فسألتها عن ذكرياتها يوم كانت تلميذة ،فردت بخجل وقالت :استاذ كانت حلوة تلك الايام .
ردت واحدة من بنات القرية الاخرى :يا حسافه احنه ما ضكناها ( ياحسرة نحن لم نتذوقها ).
هذه التي ردت سوية ” انا وفرات ” تمتعنا بسحر وجهها المدور وبشعاعه الأحمر اللذيذ .ودهشتنا كبرت عندما عرفنا ان اسمها ” كِترنه : وتعني بلهجة أهل الأهوار جهتنا أو ما نضعه تحت العباءة ..ذلك عندما ردت عليها احد احد زميلاتها : كِترنه لا تتحسرين بعدج نغيوه وتكدرين تروحين للمدرسة ماطول الاستاذ هنا ويسجلك بيها ( كترنه لا تتحسري مازلت صغيرة وتستطيعين الذهاب الى المدرسة ،مادام المعلم معنا ويقبلك تلميذة فيها )
أبتسمت كِترنه بجمال وضوء يمنح الماء سعادة الرقص مع موسيقى حركة المجداف وقالت بضحكة شهية وبريئه : الله ويدك الاستاذ . ( الله ومساعدتك يا استاذ )
قفز فرات مبهوتا ومأخوذا بلحظة النظر اليها وقال :أنا من يقبلك تلميذه ومن الغد .
ضحك كل الجالسين في القارب وقد عشت وفرات غرابة تقارب اسم كِترنه مع كاثرين ،وحتى ملامحها تقترب من تلك الالهة الفرنسية الجميلة.
حين وصلت الى “راك الطين ” في قريتها ( ضفاف الطين ) ، ونزلت مع رفيقاتها لم تودع بنظراتها المبتسمة جميع من بقيَّ في القارب كما فعلت البنتين ،بل نظرت وابتسمت بوجه فرات فقط ،وشعرت بأن شحنات كهربائية من عشق مفاجي قد سكنت كل ملامحه ونظراته وعرفت مالذي سيحدث بعد ذلك.
فمنذ تلت تلك الحادثة الرومانسية صار فرات يتحين الفرص ويأخذ اجازات وقتية بحجة الذهاب الى الجبايش لعمل خاص ويوقت صعوده الى المشحوف مع صعود بائعات القيمر ومعهن ” كِترنه ” :.حيث تطور الامر ليصير قصة حب كنا نحن المعلمون شهودها في المساء الذي ذهبنا به بذات المشحوف الذي ينقلنا من الجبايش الى القرية وتوجهنا الى قرية كٍترنه لنخطبها من ابيها الذي وافق في الحال .
بقيت وحدي في حلمي مع الآلهة الفرنسية ،ذلك لأن صديقي فرات وجد الهة شبيهة لدينوف ،وهمس لي وانا اقبله مهنئا عند نهاية طقس قراءة الفاتحة في جلسة طلب يد حبيبته : الآن بأمكانك ان تأخذ من خدي كاترين دينوف القبلتين ،لك وحدكَ أنت وحلال عليك .

قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏شعر أشقر‏‏
.

اترك رد