رئتان تتنفّسان الندم …رانية مرجية

منبر العراق الحر :

لم يكن يدخّن ليؤذي نفسه — كان يفعلها ليملأ فراغًا لا يُرى.

كان يظنّ أن الدخان يبدّد القلق، أن غيمةً صغيرة تخرجه من ليله الطويل.

قال لنفسه ذات مرة:

 

“هي لحظة… ثم تنقضي.”

لكن اللحظة امتدّت، صارت عادةً، والعادة صارت وطنًا ضبابيًّا يسكن فيه بلا هواء.

كل سيجارة كانت تشبه وعدًا بالكذب، ووعدًا آخر بالنسيان.

لم يكن يرى كيف تتسلّل الرماد إلى صدره، كيف تتحوّل الرئة شيئًا فشيئًا إلى غرفةٍ مغلقةٍ تخنق نفسها.

 

كان يضحك حين يسعل، ويقول: “بردٌ بسيط.”

لكنه لم يكن بردًا.

كان البدء البطيء لغياب الهواء.

مرت الأعوام،

وصار صوت السعال موسيقى صباحه الوحيدة.

صار يفتح النافذة لا ليستنشق، بل ليبحث عن بقايا نفسه التي ضاعت في الدخان.

وحين حاول يومًا أن يصعد الدرج، شعر بأن الرئتين صارتا حجرتين من زجاج،

كل نَفَسٍ فيهما مهدّدٌ بالانكسار.

 

جلس على المقعد في عيادة الطبيب، يستمع دون أن يسمع.

الطبيب يتحدث عن “انسداد رئوي مزمن”،

وعن أن “الرئتين فقدتا مرونتهما.”

كلمات باردة، كأنها أوراق تقارير لا تخصه.

لكنه حين قال الطبيب:

 

“الهواء لم يعد يجد طريقه إليك كما كان.”
شعر لأول مرة أن الحياة تُغلق بابها ببطء،
وأن الطريق بينه وبين شهيقه الأخير بدأ يُرصف بالندم.
عاد إلى بيته،

خلع معطفه كما لو أنه يخلع حياةً كاملة.

جلس أمام النافذة، لا يدخّن.

للمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا،

لم يكن في يده شيء يحترق —

سوى قلبه.

 

السماء كانت رمادية، تشبه صدره.

والهواء في الخارج يهبّ نقيًّا، ساخرًا ربما من رئةٍ نسيت كيف تُرحّب به.

أغمض عينيه، وتذكّر أول سيجارةٍ أشعلها أمام رفاقه في المدرسة.

كان يريد أن يبدو كبيرًا، أن يملأ فراغه بشيءٍ من الدخان.

ولم يكن يعلم أنه يستبدل الهواء بالوهم.

كل سعالٍ الآن كأنه تذكير.

كل شهيقٍ معركة،

وكل زفيرٍ انتصارٌ مؤقت.

 

صار يُحادث رئتَيه كما يُحادث أمًّا غاضبة:

 

“أعرف أني أرهقتكما… لكن ابقياني قليلًا.
لم أعد أريد إلا أن أتنفّس الضوء.”

وحين يشتدّ ضيقه،

يمدّ يده إلى صدره كما لو يحاول احتضان نفسه،

ويهمس:

 

“كنت أظنّ أن التدخين حرّيتي،
لكنّه كان سجني الذي دخنت جدرانه بيدي.”
في المساء، يُطلّ من شرفته،

يرى الناس تمشي بخطى سريعة،

يدخّنون كما كان يفعل.

يريد أن يصرخ:

 

“احذروا! الهواء أغلى مما تظنون!”
لكن صوته لا يخرج،
فالرئتان أصبحتا ناعمتين كرمادٍ قديم، لا تحتملان الانفجار.
في الليل، حين ينام،

يرى حلمًا متكررًا:

طفلٌ صغير يركض في حقلٍ أخضر، يضحك، يلهو،

ثم يقف، يفتح ذراعيه، ويملأ صدره هواءً نقيًّا.

وفي الحلم، يشعر أنه هو ذلك الطفل،

قبل أن يختنق بالعادات،

قبل أن يُبدّد عمره في دخانٍ كان يظنه حياة.

 

يستيقظ متعبًا لكنه مبتسم،

فالحلم صار نجاته الصغيرة،

نافذته نحو رئةٍ لا تؤلمه.

الآن، يجلس كل صباح أمام الضوء،

يشكر الهواء حين يمرّ من حوله.

يعرف أنه لا يستطيع استعادته،

لكنّه يستطيع أن يرويه للآخرين،

كمن يقدّم اعترافًا أخيرًا للعالم:

 

“كل نفسٍ هو هدية،
وكل سيجارةٍ حريقٌ صغير في العمر،
والرئتان لا تنسَيان…
إنهما تتنفّسان الندم حتى آخر هواء.”

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد