841,577,0,0.5757894736842105,-1

حين يهيمن الشعر على المشهد الثقافي العراقي: اختلال التوازن بين الأجناس الأدبية…عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

ليس الشعر نقيضًا للثقافة، بل هو أحد أعمق تجلياتها وأكثرها قدرة على التعبير عن وجدان الإنسان وذاكرة المجتمع. وقد احتل في الثقافة العربية منزلة رفيعة حتى عُدَّ «ديوان العرب»؛ لما حفظه من لغتهم وأنسابهم ووقائعهم وقيمهم. غير أن المشكلة تبدأ حين يهيمن الشعر على المشهد الثقافي، ويصبح الشاعر الممثل شبه الوحيد للمثقف، وكأن الأجناس الأدبية والحقول المعرفية الأخرى تقع خارج الفعل الثقافي أو على هامشه.
ويتجلى هذا الاختلال، أولًا، في كثرة أعداد الشعراء قياسًا بأعداد القاصين والروائيين وكتّاب المسرح. ولا تعني هذه الكثرة أن الشعر أيسر من غيره؛ فالشعر الحقيقي من أشق فنون الكتابة، لما يقتضيه من تكثيف لغوي وعمق في الرؤية وإحكام في التشكيل. لكن اتساع مفهوم القصيدة، وشيوع الاعتقاد بأن كل نص وجداني موزع على أسطر يمكن أن يسمى شعرًا، جعلا صفة «الشاعر» أكثر تداولًا من صفات المبدعين في الأجناس الأخرى.
وتظهر غلبة الشعر كذلك في البنية البشرية للمشهد الأدبي العراقي. فبالاستناد إلى عدد المشاركين في انتخابات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب سنة 2025، الذي بلغ 1826 مصوّتًا، وإلى نشاط فروع الاتحاد وحركة النشر، يمكن تقدير عدد أعضاء الاتحاد الفاعلين بما يتراوح بين 2500 و3200 عضو. ويشكّل الشعراء الكتلة الأكبر بينهم؛ إذ يُقدَّر عددهم بنحو 1400–1800 شاعر، في مقابل 350–500 قاص، و250–400 روائي، و80–150 كاتبًا مسرحيًا، مع وجود تداخل طبيعي بين هذه الصفات؛ فقد يجمع الأديب الواحد بين كتابة الشعر والقصة والرواية أو المسرحية. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام ليست إحصاءً رسميًا، فإنها ترسم صورة تقريبية لحجم التفاوت بين المشتغلين بهذه الأجناس.
أما القصة والرواية والمسرحية، فتحتاج إلى بناء فني وصبر طويل في الكتابة والمراجعة، فضلًا عن تشكيل الشخصيات وإدارة الأحداث وضبط الحوار وتنظيم حركتي الزمان والمكان. ولهذا قد يكون الظهور بصفة شاعر أسرع من بناء تجربة سردية أو مسرحية ناضجة، ولا سيما في بيئة ثقافية تمنح القصيدة فرصة الحضور المباشر والإلقاء والتصفيق، بينما تحتاج الرواية والقصة والمسرحية إلى متلقٍّ يمنحها وقتًا أطول للقراءة والتأمل.
وينعكس ذلك على حركة النشر؛ إذ يشير الرصد التقريبي للإصدارات العراقية خلال الأعوام 2023–2025 إلى أن عدد أصحاب الدواوين الشعرية كان أكبر بكثير من عدد الروائيين والقاصين وكتّاب المسرح. غير أن كثرة الدواوين لا تدل بالضرورة على ازدهار الشعر؛ فقد يكون بعضها ثمرة سهولة النشر والرغبة في الظهور السريع، لا نتيجة نضج التجربة واكتمالها. وهكذا لا يُقاس النتاج الأدبي بقيمته الفنية دائمًا، بل قد يُقاس بعدد العناوين المطبوعة، فيتحول النشر من اختبار لقيمة النص إلى وسيلة للحصول على لقب ثقافي.
ويمتد هذا التفاوت إلى الخطاب النقدي؛ فتحظى القصائد والدواوين، في أحيان كثيرة، بقراءات ومقالات وندوات أكثر مما تحظى به القصة والمسرحية، وربما الرواية في بعض البيئات الثقافية. وقد يعود ذلك إلى قصر النص الشعري وإمكان تناوله في قراءة مقتضبة، فضلًا عن رسوخ أدوات تحليل الشعر في التراث النقدي العربي، في حين تحتاج الأعمال السردية والمسرحية إلى قراءة كاملة وجهد تحليلي أوسع.
وتصل مركزية الشعر إلى المؤسسة الجامعية نفسها. ففي مسح إحصائي لعناوين رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه المصنفة في حقل الأدب، وفق البيانات المتاحة في المستودع الرقمي العراقي خلال الأعوام 2023 و2024 و2025، بلغ مجموع الدراسات الأدبية 332 دراسة؛ تناولت 200 منها الشعر، بنسبة تقارب 60.2%، في حين تناولت 36 دراسة الرواية، وثماني دراسات القصة، وست دراسات المسرح، وثلاث دراسات الخطابة، أما الدراسات العامة أو المتداخلة مع أجناس أخرى فبلغت 79 دراسة. وتبين هذه الأرقام أن الشعر يحتل المساحة الأوسع من اهتمام الباحثين، بينما تظل أجناس أدبية أخرى، ولا سيما القصة والمسرح والخطابة، بعيدة عن تحقيق توازن بحثي ينسجم مع أهميتها في الحياة الثقافية.
وقد أدى تراكم الدراسات حول بعض الشعراء إلى تكرار الأسماء والتجارب نفسها تحت عناوين ومناهج متقاربة، حتى إن الباحث، إذا أراد اختيار أحدهم موضوعًا لرسالة أو أطروحة، قد يصطدم بالقول إن شعره دُرس من جوانب متعددة، وإن الباحثين لم يتركوا فيه موضوعًا إلا تناولوه. وفي المقابل، ما تزال أجناس مثل القصة والمسرحية والسيرة واليوميات وأدب الرحلات بحاجة إلى مزيد من البحث والكشف والتحليل.
ويظهر اختلال التوازن كذلك في المهرجانات والمؤتمرات. فبحسب رصد تقريبي للفعاليات المعلنة في العراق خلال الأعوام 2023–2025، تراوح عدد المهرجانات والمؤتمرات الشعرية بين 85 و100 فعالية، في مقابل نحو 27–39 فعالية مسرحية، و8–14 فعالية روائية، و10–17 فعالية قصصية، بينما كادت الفعاليات المخصصة للخطابة تنعدم. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تظل تقديرية، بسبب غياب سجل ثقافي عراقي موحد وشامل، فإن الفارق بينها يشير إلى أن الشعر هو الجنس الأدبي الأكثر استحواذًا على اهتمام المؤسسات الثقافية.
ولا تكمن المشكلة في كثرة الشعراء والدواوين والمهرجانات، بل في غياب التوازن وضعف الفرص المتاحة للأجناس الأخرى. فحين يستحوذ جنس واحد على المساحة الأوسع من النشر والنقد والبحث الجامعي والنشاط الثقافي، تتراجع بقية الأجناس، لا لضعفها، بل لقلة ما يُتاح لها من حضور وقراءة وتقويم. وقد يؤدي ذلك إلى دوران المشهد الثقافي في دائرة واحدة، تكثر فيها الأسماء والألقاب والاحتفالات، ويقل فيها التنوع والإنتاج المعرفي.
ولا تنهض الثقافة بالشعر وحده، كما لا تنهض بالرواية أو المسرح وحدهما؛ فهي منظومة واسعة تضم الأدب والفلسفة والتاريخ والفنون والعلوم الإنسانية والنقد والترجمة والبحث. والشاعر نفسه يحتاج إلى هذه الروافد؛ لأن القصيدة العميقة لا تولد من اللغة وحدها، بل من معرفة واسعة وتجربة إنسانية ووعي بالتاريخ والمجتمع وتحولات الإنسان. فكلما اتسعت ثقافة الشاعر، تجاوزت قصيدته الانفعال العابر، وأصبحت كشفًا للعالم وإعادة تشكيل له.
إن إنصاف الشعر لا يكون بتحويله إلى بديل من الثقافة، بل بوضعه في مكانه الرفيع داخل فضائها المتعدد. فاختزال الثقافة فيه لا يرفع من شأنه، وإنما يحمّله ما لا يحتمل ويحرم المجتمع من تنوع مصادر وعيه. والثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الشعراء والدواوين والأمسيات، بل بما تنتجه من أسئلة وأفكار ورؤى، وبقدرتها على إتاحة المجال لمختلف الأجناس الأدبية والحقول المعرفية. وعندئذ يحتفظ الشعر بمكانته الحقيقية: لا بوصفه الثقافة كلّها، بل بوصفه أحد أجمل أصواتها وأكثرها اقترابًا من روح الإنسان.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد