منبر العراق الحر :…..كاتب سياسي…..
الرسالة الأهم التي حملتها جولة رئيس الوزراء إلى باريس وبرلين هي أن بغداد تريد أن تقول لأوروبا: العراق لا يريد أن يكون مجرد دولة تتلقى المساعدات الأمنية، بل يريد أن يصبح شريكاً في الاقتصاد والأمن والطاقة وسلاسل الإمداد. ولهذا جاءت زيارة باريس أولاً، بما تمثله فرنسا من ثقل سياسي وأمني واقتصادي، ثم برلين بما تمثله ألمانيا من ثقل صناعي وتكنولوجي. وهذه الزيارة تستهدف تنويع الشراكات الدولية، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتطوير البنية التحتية والطاقة.
*أولاً: زيارة باريس ليست اقتصادية فقط*
توقيع ست مذكرات تفاهم في قصر الإليزيه في مجالات الدفاع والطاقة والغاز والطيران والتنمية والابتكار يعني أن بغداد تحاول بناء حزمة مصالح متبادلة مع فرنسا. وهذا مهم لأن الشراكة المستدامة لا تُبنى عادةً على ملف واحد. إذا كانت العلاقة قائمة على النفط فقط، تصبح رهينة الأسعار. وإذا كانت قائمة على السلاح فقط، تصبح رهينة التوازنات الأمنية.
أما عندما تدخل الطاقة والدفاع والطيران والتعليم والبحث والتنمية في منظومة واحدة، فإن العلاقة تبدأ بالتحول إلى شراكة استراتيجية مؤسسية. والأهم أن الجانب العراقي، وفق معطيات وخرجات الزيارة، يريد من التعاون الدفاعي ألا يكون مجرد شراء منظومات، وإنما أن يرتبط بالتكنولوجيا والتوطين والصناعة داخل العراق. وهذه نقطة شديدة الأهمية إذا استطاعت بغداد ترجمتها إلى عقود فعلية.
*ثانياً: برلين تمثل الوجه الآخر للمشروع*
إذا كانت باريس يمكن أن تكون بوابة سياسية وأمنية، فإن برلين يمكن أن تكون بوابة صناعية وتقنية. وحسب التصريحات أن محطة برلين ستتركز على التعاون الصناعي والتقني مع الشركات والمؤسسات الألمانية، خصوصاً في الكهرباء وشبكات الطاقة والتدريب المهني ونقل التقنيات الحديثة. وهنا تظهر الصورة الأكبر للزيارة، في فرنسا: تم التعاقد على طاقة والأمن والدفاع والاتصال السياسي. أما في ألمانيا: تم التعاقد على الصناعة والكهرباء والتكنولوجيا والتدريب مهني. ومن هنا إذا استطاعت بغداد الربط بين المسارين، فإن الجولة الأوروبية تتحول من زيارتين منفصلتين إلى مشروع واحد لإعادة بناء الاقتصاد العراقي.
*ثالثاً: العراق يعيد تعريف مفهوم الشراكات*
ربما هذه أهم نقطة في جولة رئيس الوزراء علي الزيدي. العراق خلال السنوات الماضية كان يتحرك كثيراً بمنطق: من هو حليفي؟ أما الآن المطلوب هو الانتقال من مفهوم الحليف إلى الشريك: من يستطيع أن يستثمر في العراق؟ ومن يستطيع أن ينقل التكنولوجيا؟ ومن يحتاج العراق إلى خبرته؟ وما الذي يستطيع العراق أن يقدمه لهذا الشريك؟ وهذا هو الفرق الجوهري.
فالعراق لا يحتاج إلى استبدال الولايات المتحدة بفرنسا، ولا الولايات المتحدة بألمانيا، ولا الغرب بالشرق. الخطوة الذكية هو أن نجعل مصالح الجميع متداخلة داخل العراق. عندها يصبح استقرار العراق مصلحة أميركية وأوروبية وتركية وخليجية وآسيوية في الوقت نفسه. وهذا هو المعنى الحقيقي للتوازن في السياسة الخارجية.
*رابعاً: أمن العراق يتحول إلى جزء من أمن أوروبا*
هناك تطور مهم للغاية في طبيعة العلاقة. العراق لم يعد يقول لأوروبا: ساعدونا لأن لدينا مشكلة أمنية. بل يستطيع أن يقول: استقرار العراق يخدم أمنكم ومصالحكم الاقتصادية أيضاً. لماذا؟ لأن العراق يقع في قلب مجموعة من خطوط الطاقة والتجارة التي تربط الخليج بتركيا وأوروبا. ومع اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب، تصبح مسألة تنويع طرق الطاقة وسلاسل الإمداد أكثر أهمية.
ولهذا فإن مشروع طريق التنمية، وميناء الفاو، وخطوط تصدير النفط والغاز البديلة، لا ينبغي النظر إليها كمشاريع نقل عراقية فقط. بل يمكن أن تصبح جزءاً من البنية اللوجستية الجديدة بين الخليج وأوروبا. إذ يتوجب ان تربط الجولة الأوروبية لرئيس الوزراء، بطريق التنمية وبحث سلاسل إمداد جديدة، وطرح إمكانية أن يتحول العراق إلى نقطة انطلاق لمسارات نقل جديدة بعد الأزمات الحالية.
*خامساً: طريق التنمية..أولوية استراتيجية*
إذا نجحت بغداد في تسويق طريق التنمية للأوروبيين، فإن المعادلة تتغير. لان العراق لا يقدم نفسه عندها كبلد يحتاج إلى استثمار فقط، وإنما يقدم ممراً استراتيجياً. يبدأ من ميناء الفاو الى تركيا ثم الى أوروبا. وهنا يصبح العراق جزءاً من سلسلة الامدادات، من الخليج حتى أوروبا. وهذا يمنح العراق قيمة جيوسياسية واقتصادية لا يستطيع النفط وحده أن يمنحها. لكن هناك شرطاً قاسياً: لا يمكن لطريق التنمية أن يصبح ممراً دولياً إذا كان العراق نفسه غير قادر على ضمان أمنه وسيادته وقرار مؤسساته. وهنا نصل إلى العقدة الأساسية في الجولة كلها.
*سادساً: المخاطر العراقية أمام الاستثمار الأوروبي*
وهذا هو الجانب الذي يجب ألا تغطي عليه اللغة الدبلوماسية. هناك هواجس لدى الشركات الأوروبية من مشكلة تعدد مراكز القرار، والسلاح خارج سيطرة الدولة، وعدم الاستقرار الأمني، والتصنيف الائتماني، وتحويل الأموال وحماية الشركات والاستقرار السياسي بوصفها عوامل تجعل الشركات الأجنبية مترددة في الاستثمار بالعراق.
وهذه ليست مشكلة تسويق. إنها مشكلة دولة ومؤسسات وسيادة قانون. الشركة الفرنسية أو الألمانية عندما تفكر باستثمار مليارات الدولارات لا تسأل فقط: كم يبلغ حجم السوق العراقي؟
بل تسأل: من يحمي المشروع؟ ومن يضمن العقد؟ وهل يمكن تحويل الأرباح خارج العراق؟ وهل توجد جهة واحدة مسؤولة عن القرار؟ ماذا يحدث إذا تغيرت الحكومة؟ وماذا يحدث إذا وقع هجوم على المشروع؟ ومن يحاسب المعتدي؟ وهل تستطيع الدولة تنفيذ التزاماتها؟ وهنا تحديداً يصبح حصر السلاح أو تنظيمه بيد الدولة، قضية اقتصادية وليس أمنية فقط.
*سابعاً: 30 أيلول .. اختبار جديد للعراق*
هناك تركيز واضح على أن العراق يتجه إلى مرحلة جديدة بعد 30 أيلول، وأن الحكومة تعمل على رسم خارطة تعاون أمني جديدة مع دول مختلفة. وهنا يجب أن نفهم الأمر بصورة أوسع.
انتهاء مرحلة معينة من وجود التحالف الدولي لا يعني انتهاء الحاجة إلى التعاون الأمني الخارجي.
العراق بحكم منظومته العسكرية الضعيفة سيظل بحاجة إلى تدريب عسكري محترف وجهد استخباراتي عبر الأقمار الصناعية ومنظومة دفاع جوي ومكافحة مسيرات ومراقبة حدود بالأجهزة الحديثة وأمن منشآت وتكنولوجيا عسكرية.
لكن الفرق أن بغداد تريد أن تحول العلاقة من وجود أمني أجنبي إلى شراكات أمنية ثنائية.
ولهذا تبدو فرنسا مهمة في هذا المسار. والعراق يريد أن يقول لسنا بصدد إغلاق أبوابنا أمام الغرب، بل نحن بصدد إعادة تعريف شكل وجوده وعلاقته بالعراق.
*ثامناً: النفط لم يعد القضية الوحيدة*
هناك تحول مهم في مفهوم الطاقة. أوروبا لا تنظر إلى العراق فقط باعتباره مصدراً للنفط، بل يستطيع العراق أن يقدم: النفط والغاز والكهرباء والطاقة الشمسية والموانئ وخطوط الأنابيب وموقعاً لوجستياً. ومشروع TotalEnergies في العراق، يمكن أن يصبح نموذجاً لشراكة طويلة الأمد في الطاقة وليس مجرد عقد نفطي. ومن هنا يمكن أن يصبح مؤتمر الطاقة الدولي المزمع عقده في بغداد أداة تسويق استراتيجية للعراق إذا تحول من مؤتمر بروتوكولي إلى منصة لعقود استثمار حقيقية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر