«المقامرة الحوثية» في المندب..بين «الهيمنة بالتصعيد» والجغرافيا التي تأكل القوة … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

يبدو التقدم العسكري في ظاهره انتصاراً، لكنه في الحساب الاستراتيجي قد يكون بداية الفخ. هذا ما يختبره الحوثيون اليوم على الساحل الغربي لليمن بعد اندفاعهم نحو المخا وذباب ومواقع أقرب إلى باب المندب. فالجماعة التي بنت جانباً مهماً من قدرتها القتالية داخل الجبال والكهوف والأنفاق خرجت إلى سهل ساحلي أكثر انكشافاً للرصد والاستهداف، وفي الوقت نفسه أعلى قيمة جيوسياسياً لأنه يلامس أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم. وقد أشار ISW-CTP إلى أن السيطرة على مواقع إضافية قرب المندب ترفع قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، لكنها تبقى مشروطة بتأمين خطوط إمداد مستقرة والحفاظ على السيطرة على الأرض.

«في الجبل تحمي الجغرافيا الحوثي؛ أما في باب المندب فعليه هو أن يحمي الجغرافيا.»

1️⃣ فخ الساحل المفتوح

المشكلة الحوثية ليست في الوصول إلى الساحل، بل في كلفة البقاء عليه. فكل كيلومتر جديد يحتاج حماية وإمداداً واتصالات ودفاعاً جوياً، بينما تصبح حركة الآليات والتعزيزات أكثر قابلية للرصد والضرب مما كانت عليه في الجبال. هنا تبدأ «الجغرافيا التي تأكل القوة»: الأرض التي تمنح الحوثي موقعاً أقرب إلى المضيق تسحب منه في المقابل جزءاً من ميزة التخفي والعمق الدفاعي.

2️⃣ من ورقة إيرانية

إلى خنق مزدوج للسعودية وإسرائيل

التمدد الحوثي نحو باب المندب لا يخدم إيران فقط بوصفه امتداداً لـ«الهيمنة بالتصعيد»، بل يخلق ضغطاً مباشراً على خصمين في آن واحد: السعودية التي تعتمد على البحر الأحمر وينبع وپترولاين لتخفيف أثر هرمز، وإسرائيل التي يرتبط أمنها البحري والاقتصادي بحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وهكذا يصبح الحوثي حلقة وصل بين جبهتين: جبهة تضغط على أمن الطاقة السعودي، وجبهة تضغط على خطوط الملاحة والردع الإسرائيلي. ومعهد واشنطن يرى أن الهجوم الحوثي الأخير لم يبدل ميزان القوة في اليمن فقط؛ بل فتح ما سماه عملياً «الجبهة الإيرانية الثانية» في البحر الأحمر.

«كلما اقترب الحوثي من باب المندب، لم يعد يضغط على سفينة؛ بل على منظومة أمن السعودية وإسرائيل معاً.»

3️⃣ «مثلث الطاقة العالمي»:

  «هرمز– المندب – پترولاين»

الأهمية الحقيقية للمندب تظهر عندما يوضع داخل خريطة أوسع. حركة السفن في هرمز هبطت في 15 أيلول إلى أربعة عبورات فقط في يوم واحد، مقارنة بمتوسط يقارب 125 عبوراً يومياً قبل الحرب، بينما بقي باب المندب تحت ضغط أمني متزايد. وفي الوقت نفسه تعرض خط النفط السعودي شرق–غرب «پترولاين»، وهو البديل الرئيسي لتجاوز هرمز ونقل الخام إلى ينبع، لهجمات عطلت جزءاً من قدرته؛ والخط كان ينقل نحو(4 -5) ملايين برميل يومياً.

وهكذا يتشكل «مثلث هرمز– المندب – پترولاين»: المضيق الشرقي، والبوابة الغربية، والبديل البري. السعودية تتعرض للضغط لأن پترولاين وينبع يمثلان مخرجها من هرمز، وإسرائيل لأن باب المندب هو بوابة اتصالها البحري جنوباً عبر البحر الأحمر. ومع السيطرة الحوثية المتزايدة على الساحل اليمني، يصبح الضغط على السعودية وإسرائيل أكثر مباشرة، لا عبر الصواريخ فقط بل عبر الجغرافيا نفسها.

«حين يدخل الممر والبوابة والبديل دائرة الخطر معاً، لا يعود الاختناق نقطة على الخريطة؛ بل يصبح منظومة.»

4️⃣ البعد الدولي:

«الهيمنة بالتصعيد» ومأزق «المنبوذ الاقتصادي»

يتجاوز هذا التمدد النطاق المحلي ليرتبط مباشرة بإستراتيجية الحرس الثوري الإيراني التي تُعرف بـ «الهيمنة بالتصعيد». ووفقاً لتقارير معهد دراسة الحرب (ISW)، تسعى طهران من خلال دفع الحوثيين نحو المضيق وجزيرة ميون إلى فرض معادلة خنق على «مثلث الطاقة العالمي»، لرفع كلفة الشحن الدولي والتأمين البحري واستخدامها كورقة ضغط سياسية ضد القوى الغربية.

في المقابل، يرى )معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى( في كواليس تحليلاته لمسار الصراع، أن هذه المغامرة البحرية منحت الولايات المتحدة وحلفاءها المبرر الكامل لتفعيل إستراتيجية «المنبوذ الاقتصادي» (Economic Pariah) ضد الجماعة. ومن خلال تشديد العزلة المادية، وفرض حصار مالي وبحري صارم، تصبح هذه السيطرة عبئاً سياسياً وخانقاً، حيث يجد الحوثيون أنفسهم معزولين تماماً في مواجهة غضب المجتمع الدولي، دون القدرة على صرف هذا التمدد إلى مكاسب سياسية أو شرعية معترف بها.

5️⃣ إختلال الجبهات الخلفية والطريق إلى صنعاء

بينما تُستنزف القوة الضاربة للحوثيين في محرقة الساحل المفتوح ويغرقون في حسابات المياه الدولية، استُغل هذا الفراغ لتنفيذ الشق الأهم من الخطة العسكرية الإستراتيجية على الأرض.

سحب الحوثيين لقواتهم ونقل ثقلهم البشري إلى الجنوب الغربي أدى إلى خلخلة دفاعاتهم وتراجعها في جبهات داخلية حيوية وإستراتيجية. نشهد الآن تقدماً متسارعاً وقضماً للمواقع في محافظات البيضاء والجوف وجبهات الطوق، وهي تحركات تمهد الطريق تدريجياً للوصول إلى العاصمة صنعاء. إن ابتلاع الطُعم في باب المندب لم يمنح الحوثيين السيطرة المزعومة، بل جردهم من غطائهم الجغرافي وفتح ثغرات قاتلة في خطوط دفاعهم الرئيسية.

«قد تربح جغرافيا تنظر إلى العالم، وتكتشف أنك أضعفت الجغرافيا التي تحمي عاصمتك.»

⏺️ الخاتمة

«المقامرة الحوثية» لا تُقاس بما وصل إليه الحوثيون، بل بما يستطيعون الاحتفاظ به من دون أن تستهلكه كلفة الانتشار. فباب المندب يرفع قيمة الحوثي داخل استراتيجية إيران، ويمنحه قدرة أكبر على الضغط على السعودية وإسرائيل والتجارة الدولية؛ لكنه يضعه أيضاً أمام ساحل مكشوف، وخطوط إمداد أطول، وضربات وعقوبات وخصوم أكثر.

«المقامرة الحوثية ليست في الوصول إلى باب المندب؛ بل في القدرة على الاحتفاظ بجغرافيا تضاعف قوة الضغط، من دون أن تستهلك القوة التي احتلتها.»

وهنا فقط تُختبر مفارقة المندب: هل صار الساحل بوابة صعود الحوثيين، أم الجغرافيا التي بدأت تأكل القوة التي أغرتها بالتمدد؟

اترك رد