مَن تسلّل بي إلى الداخل؟…نجلاء محجوب

منبر العراق الحر :

مَن تسلّل بي إلى الداخل؟
لم أدرك متى دخل،
كأنّه تسلّل من شقٍ في الجدار.
رجلٌ… أظنه تسعينيًّا،
لكن هيئته لا تُشبه أحدًا؛
كأنه جاء من زمنٍ آخر.
قامته سامقةٌ جدًا على نحوٍ يبعث التوجّس،
يتكئ على انحناءةٍ خفيفة،
كمن يُصغي لهمسٍ لا يسمعه سواه،
عيناه غائرتان داخل ثقبين أسودين.
نفقٌ لا يفضي لشيء..!
جلبابه الأسود بدا كستارٍ مسرحي،
يُخفي أكثر مما يُظهر،
وعلى رأسه شيءٌ غريب حجب وجهه،
فبدا كأنه نُحت من ظلٍ هارب.
كان يمشي كمن يحفظ الإيقاع،
إيقاع الحروف حين تتدفق ..
حين تحرّك الغطاء قليلًا،
ظهرت تجاعيد عميقة على بشرةٍ سمراء،
كأنها خُدشت بسكين..!
شعره مسدولٌ بفوضوية،
ومشتعلٌ شيبًا، بدا كرمادٍ محترق،
وعندما اقترب،
عبرني كطيفٍ يعانق خيالًا،
شعرتُ بشيءٍ يُسحب من داخلي،
لا أدري ما هو؟!
لكن فجأةً خفَّ وزني..!
نظرتُ خلفي،
التقطه طرفُ عيني وهو يغادر للخارج.
وقفتُ أتحسّس جسدي..
لم أجد شيئًا مختلفًا،
لكن خارت قواي من الفزع،
وألقيتُ بجسدي على المقعد،
رفعتُ رأسي،
نظرتُ أمامي، فوجدته هناك…
يجلس في أحد المقاعد المقابلة،
يبتسم دون أن يلتفت نحوي،
كانت المقاعد كلها
نسخٌ مطابقة تبتسم بلا سبب،
كأنني علقتُ في جملةٍ بلا فاعل..!
ظلامٌ دامس.
أغرقني في بحرٍ من العتم،
إلى غرقٍ لا قاع له،
أسمع أصواتًا حولي
تتحدث بلغةٍ غير مفهومة،
كلمات غير واضحة،
هل فقدتُ عقلي؟
أم جذبت روحي لعالمها؟
لا بد أنها هي.
كنتُ أشكّ بأمرها منذ أيام،
بعد أن أسرت لي بشيءٍ غامض وهي تتمتم،
ثم نظرت إلى شقّ الجدار وابتسمت..
وغادرت، دون أن تلتفت إليّ،
هل أنا هنا؟
أم جذبتني إلى عالمٍ آخر؟
أخشى أنني عبرتُ السطر الأخير دون أن أدري،
ماذا يحدث؟
انطفأ النور… ثم عاد… ثم انطفأ مجددًا،
كأن شيئًا ما يختبر حضوري،
هل كان ذلك مقصودًا؟
هل الباب الذي فُتح وأُغلق… كان حقيقة؟
… أسمع صوتًا لا أعرف مصدره،
كأن صوتًا كان يقرأني من ورقةٍ لا أراها..!
أرتجف…
أين أنا؟
كأنني نُفيت،
فتحتُ عينيّ المثقلتين.
كنتُ مُسجى على شيءٍ يشبه لوحًا خشبيًا،
معلّقًا في الهواء.
وأمامي رجلٌ يشبهني بعض الشيء، يقول لآخر:
– لا أمل… لن يعود.
– لقد سُرقت روحه… إلى عالمنا.
أغمضتُ عيني وفتحتُها.
ظننت أنه ما زال هنا،
فإذا به يلوذ بالهرب،
تاركًا الحبر يقطر،
والمحبِرة تشهق مثلي فراغًا.
وأنا… حبيسُ سطرين.
نجلاء محجوب

اترك رد