منبر العراق الحر : .
المُثقّف العربي هو فردٌ من المجتمع ، ويحمل الهموم شأنه شأن أي مواطنٍ آخر ، ولكن المثقف والمفكر العربي يُعاني من ضغط التحديات أيّاً كانت ، وأيّاً كانت أيديولوجيتة أو توجّهاته الفكرية أكثر من أي مواطن عادي آخر .
حيث أن المُثقّف أكثر وعياً وأكثر ثقافة وهذا يجعله يلتزم بقضايا الناس بشكلٍ عام ، وبضمير الأمّة ، واستحقاقاتها ، والعيش الكريم لكل مُكوّنات المجتمع .
المثقف واضحاً في مجال أنشطته السياسية والفكرية ، وأكثر وضوحاً في مجال النشاط الإنساني .
ومع الأسف إن العرب يفتقدون الدور الإيجابي تجاه كل المستجدات والمتغيرات ، والتي تؤثّر مباشرة على الدور الذي يجب أن يقوم به المثقف العربي .
فنحن نعيش حالة ممارسات وسلوكيات في غاية الإنفصام ، وخطيرة جداً لحاضرنا ومستقبلنا .
فما يدور في العالم ، وما يحدث حولنا وكأنه لا يعنينا ، وكأن ما يحدث هو في كوكبٍ آخر .
على المثقف العربي أن يتحرك بإيقاعٍ متسارع ، يستطيع من خلاله تحقيق التراكم الثقافي المطلوب ، والولوج الواعي والإيجابي مع كل ما يدور حولنا وعلينا ، كي نستطيع أن نحقق مع مجتمعاتنا حركة فاعلة في عملية السمو الإنساني . ومواجهة الخطر الجدي المعمول به على أرضنا العربية ، وهو سيادة النبرة الواحدة في كافة أنظمة الحكم ، وتجاهل وتهميش كل الآراء والدعوات والأصوات الأخرى التي لا تتجانس مع خطاهم ، وهذا منتهى التسلط والقهر والقمع والإقصاء ، كما يواجه أيضاً الخطاب الحكيم للمثقف العربي والمفكر العربي ، والمُتّسم بالعلم وصوت العقل وحرية الفكر .
نُدرك تماماً أن المثقف والمفكر العربي يواجه تحدياتٍ مصيرية ينبغي التخلّص منها بهدف حماية الإنسان والأوطان والأمّة ، وهذا لن يكتمل أو يتحقق إلاّ إذا تعزّز التواصل بين المفكرين والمثقفين من جهة وبين المجتمع من جهةٍ ثانية .
حيث أن سلوك الدول العربية يعتمد بشكلٍ أساسي على منابع التبعية في المقام الأول ، وعلى تهميش وقمع المواطن في المقام الثاني ، كي لا يعلو صوت الحق على ثقافة وسياسة وسلوك الأنظمة .
لذا أمام المفكرين والمثقفين والكتاب العرب الإنصهار الفعلي مع قضايا الإنسان والأمّة ، ومع كافة التحديات ، بغض النظر إن كانت داخلية أو خارجية ، وصناعة ثقافةٍ حقيقية تستند إلى آفاق ثقافية وفكرية جديدة تتناسب مع معطيات العصر المُعاش .
من المعروف أن المجتمع هو الذي سهّل ومنح المثقفين والمفكرين العرب دورهم الأساسي لخدمة قضايا المجتمع ، وإصلاح بوصلة المسار حينما تشذّ في الملمات .
إنّ الحوار والإبداع في الإقناع أدوات مهمة ومؤثّرة جداً في إصلاح أي خللٍ وخاصّة في هذه الآونة ، حيث أن الخلل بمثابة عوامل رئيسية تمسّ السياسة والاقتصاد والمجتمع والقيم والثوابت .
على المثقفين والمفكرين العرب أن يأخذوا دورهم الفاعل وأن يُطلقوا العنان لقلمهم الحر ” إن كان حراً ” ، والمساهمة الفاعلة لحل الأزمات والانحرافات التي تواجه الأمّة .
إن دور المثقف والمفكر العربي هام جداً ، وعليه تسمو الأوطان والأمة ، وبالتالي يرتقي الإنسان العربي ، إن ترسيخ قيم العدالة والبناء ، وإعمار البلاد ، بوابة يتم من خلالها طرق مستقبل الأمة والشعوب ، فيما إذا تم توظيف الموروث الفكري والثقافي بشكلٍ سليم وبمختلف مجالاته الأدبية والسياسية والفقهية والفلسفية والإعلامية ، من أجل التصدي الفاعل لكافة الأخطار التي تداهم الأمة من كل صوب وجانب وأصحاب مراكز القوى نائمون ، وإعادة اللحمة العربية والتوحّد والتماسك ونبذ الخلافات الوهمية المفتعلة .
هنا يبرز دور المفكر العربي والمثقف العربي من خلال الحفاظ على هويّة الأمّة ، وإرشاد الأوطان إلى مكامن قوتها ، وكشف عورات حقيقة العدو الخارجي واسترشاد سبل التغلب عليه ، والاعتماد على مكامن قوته وضعفه ، والعمل الجاد في تعزيز دور المجتمع في الدفاع عن ثوابت وقيم الأمة ومقدّساتها ، وتوظيف التجارب والمحن التاريخية لكافة الأمم لخدمة الواقع وبالتالي استنتاج الدروس والعبر .
الذاكرة العربية الثقافية والسياسية والفكرية قولاً واحداً لن تنشط بدون جهود الكتّاب والمفكرين العرب ، وبدون تحمّلهم المسؤولية بشكلٍ فعلي ، فمن خلال نشاطهم وجهدهم نستطيع أن نصل إلى ما نحتاج إليه من التطوير الشامل ، لإعادة تنشيط المسار الاجتماعي نحو الرقي والسمو لإعادة تنشيط ذاكرة الأمة الفكرية والثقافية والسياسية ، وتعزيز التوجّهات والرؤى التي تتوافق مع العقل العربي والفكر العربي الهادف إلى مواجهة كل التحديات والسمو بالمفهوم الإنساني والوطني والقومي .
لو تأمّلنا جيداً في التاريخ العربي يتأكّد لدينا إن تردّي الثقافة والمثقفين والمفكرين العرب لا يمتّ بصلةٍ إلى السمات العربية ، فعلى المثقفين العرب أن يتخلّوا عن الإيديولوجيات الهدامة للأوطان وللإنسان ، ليكونوا أو ليتحولوا فعلياً إلى مواكبين فاعلين لقضايانا المعاصرة ، لنكون على بيّنةٍ حول ما يُخطط لنا الآخرون ، و ليكون المثقف العربي عنصراً فاعلاً في وعي المجتمع وانطلاقته ، وعلى الأنظمة أيضاً أن تقوم على الفكر والثقافة للنهوض بمواطنيها على مختلف كوادرهم ومكوّناتهم في مختلف مجالات الحياة ، وأن تعتمد وبشكلٍ جدي على المثقفين والمفكرين والحكماء ورجالات الأوطان ، بهدف إصلاح المسار نحو السيادة والنمو والرقي والحضارة بمعناها العريض .
آخذين بعين الإعتبار أن الكيان الصهيوني كي يبتر أفكار المواجهة بين أجهزة الأنظمة العربية وبين الحركة الصهيونية ، طرح أفكار ومفاهيم ضمن إطار ” مفهوم المعايشة ” مع العرب ، من خلال اتصالات ومخططات بدعمٍ أمريكي ، بهدف إلغاء كل المفاهيم القومية السابقة ، ومفاهيم العروبة والإسلام ، وإدخال أفكار جديدة مثل الشرق الأوسط الجديد ، وهذا السلوك الصهيوني يُحوّل المجتمع العربي إلى لوحاتٍ تشكيلية فقدت أبعادها و متناحرة و متنافرة ، وقتل التطلعات العربية حول المصير المشترك ، وتطلعاتها نحو السيادة والقوة ، بل حتّى في الوجود .
السياسة الصهيونية تفرض على إسرائيل أن لا تقبل بأي توافق بينها وبين الشعب العربي ، إنطلاقاً من نظرة الاستعلاء العرقي التي تتملّكها ، و بهدف تفتيت الموقف العربي والإسلامي أكثر ، طرحت الصهيونية فكرة إنطواء الجميع تحت الحركة الإبراهيمية ، ومن هنا نرى مدى خبث وضراوة الفكر العدائي الصهيوني تجاه العرب ، ومع الأسف تحلّت الأنظمة العربية بسوء الفهم ، وبسوء إدراك توقعات الخطر القادم الذي سيداهمنا جميعاً .
وأيّاً كانت الأمور فإن الصراع العربي الإسرائيلي سيبقى أمام الشعوب صراع وجود ، وليس صراعاً على الحدود ليس إلاّ ، رغم أن الكيان المحتل يتوسّع ويبتلع أراضي فلسطين ، وها هو يبتلع الجولان وبقايا فلسطين المحتلة ، وأراضٍ سورية جديدة ، وراء ذلك أراضٍ عربية أخرى قد تصل إلى عمق السعودية ، ولبنان ومصر و الأردن وسورية والعراق كما هو مخطط ، والمخفي أعظم .
دوماً الشعوب هي التي تدفع الثمن ، ودوماً هي التي تدفع ضريبة غباء وتبعية أصحاب القرار على الساحة العربية .
الأنظمة العربية ومنذ سنواتٍ طوال وهي تقود الأمّة المترامية الأطراف وشعوبها إلى حافةِ الهاوية من خلال سياسة التردّي المعمول بها ، وبكل تأكيد إن كل محاولات تصحيح المسار كانت فاشلة ، بسبب أن كل أصحاب مراكز القرار العربي مرتبطة بشكلٍ مباشر بسلسلةٍ من التبعية للخارج بطرقٍ مختلفة ، متجاهلة كل إمكانيات الأوطان والأمة والشعوب العربية ، وكل قيم السيادة والتحرر والاستقلال .
لذا على أقلام الأدباء والمفكرين والكتّاب الوفيّة لقيمها وثوابتها أن تأخذ دورها الاجتماعي الفاعل بهدف خلق نظامٍ عربي قادرٍ على مواجهة كل الضغوط السياسية بكل أبعادها الاقليمية والدولية ، وإيجاد نظامٍ تربوي وتعليمي جديد يتوافق مع استراتيجية عربية واضحة المعالم للنهوض بالإنسان العربي والأوطان العربية ، ونشر الثقافات العلمية والاستفادة المباشرة من كل خبرات الشباب والاخصّائيين بعيداً عن سياسة الإقصاء ، والتوقّف الجاد عن عرقلة إبداع ومواهب الأجيال في المجتمع العربي ، والعمل بثقافة الإحساس الفعلي بكرامة المواطن وسيادته ، والاعتماد على ثرواتنا وامكانياتنا والمتوفّرة على كامل امتداد الساحة العربية ، واستنهاض البحث العلمي والاستفادة من العلماء العرب للمشاركة في نهضة الأمّة وسيادتها ، وإطلاق الحريات وامتلاك الإرادة السياسية ، وهذه الأمور تتطلّب توفير كامل البنى التحتية ، ومنح المكانة اللائقة لكافة المفكرين والعلماء ، إن الإشادة بالعلماء العرب وهم في الخارج لا يفيدنا ، ما دامت الأمّة لم تستيقظ بعد من غفوتها ، والجهل يقطن كل جوانحها ، وكل جوانبها الفكرية .
إنّ الحكّام العرب يتحمّلون كامل مسؤولية ما نحن فيه ، بنفس الوقت كان بإمكانهم لو أرادوا رسم مسارات ايجابية وخلاّقة فيما يخصّ الإنسان والأمّة ، كما فعلت دول العالم الأخرى ، بهدف أن نكون أمّة حقيقية كما نرغب ونروم ، لا كما يُراد ويُخطط لنا .
إنّ ما نروم إليه أمام هذا الوضع العربي المأساوي هو تضافر جهود المفكرين والمثقفين العرب ، وتحمّل مسؤولياتهم الوطنية والإنسانية من أجل نظامٍ عربي حضاري قادر على مواجهة هيمنة الدول الأخرى علينا ، وبتر كل سياسات التبعية العمياء ، التي دمّرت المواطن والأوطان ، والعمل وفق نظامٍ ديمقراطي يكفل التعددية والتداول السلمي للسلطة بدون خوفٍ أو تردّد ، من أجل إحياء كرامة المواطن وسيادة الوطن .
ألم يستفيق العرب بعد ؟ .
ألم تخرج أقلام الأدباء والمفكرين العرب من حالة السبات الذي ألمّ بها ؟ .
هل ستبقى الأمّة مستسلمة لسباتها حتّى يُدمّر كلّ ما تبقّى من الكرامة العربية والوجود العربي ؟ .
أمامنا دربٌ لا مفر منه ، والخيارات أمامنا ، إمّا أن نبقى ، أو أن نبقى ، مهما حاول السفهاء من تمرير أجندتهم ، ومهما حاولت أشباه الأقلام من تشويه الحقيقة أمام الجميع زوراً وبهتاناً .
عندما تضيع الفروق بين الاعتقاد الحقيقي وبين النفاق ، وبين الثبات على المبدأ أو الثبات على المبلغ ، يفقد المثقفون وأهل الرأي والمفكرون مصداقيتهم في أعين الناس ، أمّا عندما تظهر الفروق ويظهر الذين ينتصرون للحرية والديمقراطية وحرية الرأي ، يستعيد المثقفون والمفكرون وأهل الرأي والحكماء مصداقيتهم في العمل على التغيير والتحرر من المطبّات السلطوية وتنمية المجتمع بشكلٍ عادلٍ وسليم بعيداً عن النفاق والتسلق والدجل والعهر السياسي .
وبكلِ تأكيد إذا لم نستطع التحرر من تبعيتنا العمياء ، وإذا لم نصحو قبل فوات الأوان ، فإن السفينة ستغرق بمن فيها .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر