منبر العراق الحر :
يُفترض بالنقد الأدبي أن يكون أداةً لقراءة النصوص وكشف جمالياتها، ووسيطاً بين العمل الإبداعي والمتلقي. غير أنّ الخطاب النقدي العربي المعاصر يعاني أحياناً من “طلسمية لغوية”، تتمثل في الاستغراق في المصطلحات المترجمة أو المركّبة، وفي بناء جمل معقّدة عسيرة الفهم. هذه الظاهرة تُحدث قطيعة بين النص والقارئ، وتضع النقد في موضع المتعالي المنفصل، بدلاً من أن يكون شريكاً للنص.
عندما يثقل الناقد نصاً أدبياً بمصطلحات دخيلة، أو بتأويلات متعسفة خارجة عن حدوده، يصبح النص غريباً عن ذاته. فالطلسمية النقدية لا تعبّر عن عمق حقيقي، بقدر ما تكشف عن نزعة استعراضية لدى الناقد، يسعى من خلالها إلى إثبات تميّزه المعرفي. وبهذا يغدو الخطاب النقدي نصاً موازياً، لا أداةً كاشفة، فيفقد دوره التواصلي.
بعض النقاد العرب قدّموا خطاباً نقدياً واضحاً دون أن يفرّطوا في الدقة، مثل عبد الله الغذامي في الخطيئة والتكفير (1985) حيث قرّب البنيوية من القارئ العربي بلغة سلسة، أو صلاح فضل في بلاغة الخطاب وعلم النص (1992) الذي نجح في الموازنة بين العمق والوضوح. وفي المقابل، نجد كتابات نقدية أخرى وقعت في فخ الطلسمية، خصوصاً مع انتقال مفاهيم ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة إلى العربية، حيث أُغرق النص النقدي بالمصطلحات المترجمة حرفياً، مما جعله عصياً على الفهم العام. بعض أطروحات أدونيس النقدية، على سبيل المثال، تكشف هذا الميل إلى الغموض اللغوي الذي يبعد القارئ أكثر مما يقرّبه.
النقد الأدبي لا يقاس بمدى تعقيد لغته، بل بقدرته على تقديم قراءة تفتح النص وتضيء معانيه. والمطلوب اليوم هو خطاب نقدي يوازن بين العلمية والوضوح، يردم الفجوة بين النص والمتلقي، ويعيد الاعتبار إلى دور الناقد بوصفه وسيطاً لا متعالياً.
إنّ تجاوز أزمة الطلسمية اللغوية في النقد الأدبي العربي يتطلّب وعياً لغوياً وأكاديمياً، بحيث يستفيد النقد من المناهج الحديثة، لكن دون أن يستسلم لسطوة المصطلح أو يعزل نفسه عن القارئ. فالنقد إذا لم يكن جسراً مضيئاً، فلن يكون سوى جدار يفصل النص عن جمهوره
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر