المدونة الشيعية، من الدولة المدنية إلى ما قبلها! رؤية سياسية….. فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
إخضاع قوانين الدولة المتكيفة مع المكونات جميعهن إلى شروط ومضامين العقيدة الطائفية للسلطة الحاكمة بأغلبية، لا تختلف عن إخضاع قوانين الدولة لأيديولوجيا الحزب الحاكم، كما جرت الأحداث في زمن حكم البعث في العراق، أو تجربة الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، سابقا، ما يجعل سلطة الأيديولوجيا أو العقيدة تسقط، بسقوط النظام السياسي، تلك إحدى الإشكاليات التي ظهرت عند تحول المجتمعات من الأنظمة المركزية التوليتارية والاستبدادية، إلى النظام الديمقراطي والتعددي أي الاتحادي.
إن وضع أيديولوجيا الحزب أو عقيدة الطائفة للأغلبية الحاكمة، فوق قوانين المواطنة، إجراء لا يعبر عن إفراغ الديمقراطية من محتواها وأهم وظائفها المتمثلة بحماية حقوق الأقليات من استبداد الأغلبية، ليس هذا فحسب، بل يحول الدولة من طابع التحرر والمدنية بعد التخلص من النظام الاستبدادي، إلى شتات الدولة الدينية التي تنتهي عند حكم الفقهاء بتنوع مرجعياتهم العقيدية، ونزواتهم الشخصية وتوجهاتهم وما تخضع لها من ضغوط ومغريات، أي العودة بالمجتمع إلى زمن الجماعات الطائفية والمذهبية، أي إلى عصر ما قبل الدولة المدنية الحديثة.
تشهد التجربة العراقية ظهور المدونة الشيعية، وهي تقدم الدليل القاطع على عدم صلاحية أحزاب الإسلام السياسي لحكم العراق، لأنها تفرض نزوعها الفقهي، وطقوسها بديلا عن القوانين المدنية التي تحقق الإجماع الوطني، تحت مفهوم الوطن للجميع، والدين لله -سبحانه- تعالى.
الأغلبية الشيعية في مجلس النواب لم تنجح بتشريعات تحقق العدالة الاجتماعية للعراقيين، والمساواة، وآفاق الرفاهية ومغادرة الشعور بالخوف من السلطة ومعاداتها، والتوجه نحو بناء إنسان ودولة في خدمة الإنسان، أو على الأقل مكاسب للجمهور الشيعي الذي يمثلونه برلمانياً، بل جردوه من القوانين المدنية المنصفة للمرأة، بعد مصادرة حقوقها وحرياتها وحتى حياتها، تحت ضوابط تحريم ديني زائف وأساليب قمع وتشويه وإساءات متنوعة، وقد تركز القمع والمصادرة لحقوق المرأة بنحو خاص، وبما يعكس حقيقة أن المرأة أصبحت عقدة مركزية في تفكيرهم، ليضعوها موضع الاضطهاد وانتزاع الحقوق التي اكتسبتها بعد قرون من معاناتها ونضالها من أجل المساواة والحقوق الطبيعية التي تليق بنصف المجتمع وينبوع الحياة، وبهذا يرتكبون مخالفة صريحة للدستور العراقي، ويتمسكون بمشاعر العار من وجود المرأة فاعلاً مهما بالحياة، بل يريدونها حاوية لامتصاص نزواتهم ورغباتهم الجنسية، بأقل قدر من الحقوق والكرامة ومشاعر الوجود الإنساني وعواطفه المتعددة، هيمنة مفاهيم الذكورية المنزوعة من الثقافة ومشاعر المودة والرحمة!
إن إحلال المدونة الشيعية بدلا عن قانون 188 لسنة 1959. وما جاء بالمدونة من إجحاف وضرر وعزل أخلاقي ومفاهيم تركز على تسليّع المرأة وتابعينها للرجل كإحدى ممتلكاته الشخصية، وتتكفل بإعدام كيانها الإنساني والعاطفي، هذا الإجراء التعسفي، لم يأتِ من حاجة حقيقية لأغلبية واقع ما تعيشه المرأة العراقية، بل تفريغ لفكرة الانتصار الفقهي للطائفة الحاكمة، وإخضاع قوانين الدولة لها، والزحف به سياسيا نحو ضفاف ولاية الفقيه، ولا يدركون أنها خطوة خطيرة، ومشروع إجباري يستند لقوة السلطة السياسية وسعيها لإسقاط مفهوم الدولة، التي تعتمد سلطة وقوانين القضاء، وهنا المفارقة التاريخية التي تحدث في العراق، انتزاع سلطة القضاء وقوانينه المستوعبة لحقوق الجميع والمتساوقة مع التطور الحاصل في القوانين والمواثيق الدولية، التي جاءت لتحمي المرأة والطفل، لتأتي بما يعرف بالمدونة الشيعية، التي تعيدنا إلى ما قبل الدولة والمواطنية المشتركة في القوانين الخاصة على مشتركات الوطنية، والقادم أخطر!

اترك رد