منبر العراق الحر :
أصغيتُ لصافرة القاطرة الأخيرة،
ورحلت مع الأحبة الذين ضاعوا في سديم اللانهائي، فجأةً في المجهول.
زاغ البصر في لون السماء، يُحدّق بي،
وتلعثم الحرف لما قالت لي كويكبة العذراء: غدًا تأتي.
عندي محطتك الأخيرة، ونادلة السؤال الصعب،
تثرثر عن حياتك الضياع كثيرًا وتسخر.
أسمعها تقول: ثق بي لمرة لتعرف الحقيقة.
كنتُ أحيا وحيدًا، والجنية الصديقة،
لا أُعيرها اهتمامًا، ولا أثق بأيّ صوت،
لا خوفًا على نفسي من الخديعة،
بل لأنني أعاني من رُهاب الضجيج،
وأخاف على شظايا الروح تنثرها الرياح.
حاولتُ إخضاع عاطفتي خارج أحلامي،
فتُخضعني عاطفتي بذكرى سوف تأتي،
وببصيص ضوء باهت للنجم القطبي.
هنا انفصلتُ عن الواقع الجنون مرتين،
لألفظ أنفاسي الأخيرة في أحضان صحوي،
يترع بملامح الندم والاكتئاب.
وقتذاك فتحتُ بصري العاري من البصيرة،
لأشهد قيامتي مرتين:
واحدة حضور، وهي الحياة بقرب رمشي،
والأخرى رأيتُ بابها يُطلّ عليّ خلسةً.
فارتجفتُ من أصابع الفدَمين بنشوة،
ورأيتني تحت التراب المزهر،
واثقًا فقط من هدوء الموت،
واثقًا بأن باء البداية؛ باب السفر إلى هاوية تنام على عتبات الغمام.
وحطّ اليمام على شاهد القبر،
نُقش عليه سين الاسم،
حبسني داخل المعنى.
طويلةٌ هي ليلة الشتاء الماطرة،
حين غُيبتُ دون نبض،
والقلب يجهش داخل أوردتي الدفينة.
لعلي أصير بجناحين هناك ملاكًا،
أنا الذي كنتُ قبل الآن،
تشابهني ملامح الإنسان.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر