منبر العراق الحر :
(1) بيت جالا — الميلاد من حجرٍ يشبه القلب
في بيتِ جالا
لا يولد الأطفال فقط،
بل تولدُ الحكايات…
ويولدُ الشجرُ من شقِّ الصخر
كما لو أن الأرضَ
تتدرّبُ على المعجزات.
هناك،
على التلال التي تنحني قليلًا
احترامًا لخطوات الفلاحين،
جاءت جدّتي إلى الدنيا،
تحملُ اسمًا خفيفًا
كأنّه نسمةٌ من جنوب الجبل،
وثقلاً عميقًا
كأنها وريثةُ الطمي
والندى
والصلاة الأولى.
في بيت جالا
تعلمتْ أن تحرسَ بيتها
كما تحرس الشجرةُ ثمرَها،
وأن تُصغي للريح
كما تُصغي لنبض قلبها.
المدينةُ لم تكن مدينة،
بل أمًّا
تفتح ذراعيها
لكل من مرّ من خاصرتها.
وكانت جدّتي
إحدى هباتها للكون.
(2) اللِّد — العَتبَة التي تبدأ منها العاصفة
في اللِّد،
كبرت جدّتي بسرعةٍ
أكبر من عمرها.
تزوجتْ،
وملأت البيت بضحكٍ
يشبه صوت الماء
حين ينسابُ
من يد السماء.
كانت المدينةُ
تركض نحوها
كما تركض طفلةٌ
إلى حضن أمها.
كانت اللدُّ
مساحة سلامٍ صغير
في زمنٍ
بدأت فيه الأرض تتقلّب
مثل قلبٍ قلق.
لكن الزمنَ
لا يترك الضحكات طويلة.
عام 1948
لم يكن عددًا
بل سكينًا
انغرس في ساق المدينة.
سقطت اللدّ
كما تسقطُ نخلةٌ
قُطع جذرها.
وصارت جدّتي
أمًّا تحت النار،
تخفي أبناءها
كما يُخفى الضوء
حين يقترب الظلام.
(3) الخروج — حين يصبح الليلُ مدينةً أخرى
خرجتْ جدّتي…
لم تحمل معها شيئًا
إلا ما لا يمكن أن يُحمَل:
الذاكرة.
الصوت.
الاسم.
وذلك الإحساسُ
بأن البيتَ لا يموت
حتى لو احترق.
كانت اللدُّ وراءها
كبوابةٍ تحترق،
وكان الطريقُ أمامها
كجرحٍ مفتوحٍ
على احتمالات البقاء.
حملت طفلًا في حضن،
وآخر في يد،
وثالثًا في الذاكرة
لم يولد بعد.
ومشت…
تمشي ببطء
خشية أن يتعثّر صبرُها،
وتمشي بسرعة
خشية أن تلحقها النار.
السماءُ في تلك الليلة
كانت أثقل من الأرض.
والريحُ
كانت تحمل رائحة المدن
التي تبكي
ولا تعرف من يبكيها.
(4) الطريق إلى رام الله — مشيًا على ما تبقّى من الروح
من اللد إلى رام الله
الطريق الطويل
لم يكن طريقًا،
كان امتحانًا
ووصيّةً
وخارطةً
تُرسم بالقدمين لا بالحبر.
كلُّ خطوةٍ
كانت درسًا في الصمود.
كلُّ حجرٍ
كان يختبرُ عزيمة امرأة
لم تولد للمسافات
بل للبيوت.
ومع ذلك مشت…
مشت على الطريق
كما يمشي دعاءٌ
من قلبٍ موجوعٍ
إلى سماءٍ بعيدة.
الأطفالُ يبكون،
والليلُ
يمدّ ظلاله على كتفيها
كأنه يريد أن يسرق منهم الضوء.
لكن جدّتي
كانت تُخفي خوفها
كما تُخفى الأمُّ
رمشها الأخير
لينام الصغير.
كانت تقول لهم:
“سنصل…
لا تخافوا.
الطريق يعرفنا.”
وكان الطريق—فعلًا—
يعرفهم.
كان ينتظرهم
كما ينتظر حجرٌ
قدمًا تعيده إلى مكانه.
(5) رام الله — الوصول بوصفه بداية لا نهاية
وحين وصلت جدّتي رام الله
لم تكن تصل،
كانت تعود…
إلى أرضٍ لم تولد فيها،
لكنها تعرفها
كما تعرف امرأةٌ
صديقتها القديمة
التي تشبهها
في الحزن
وفي الرجاء.
بنت بيتًا
من التعب،
ونسجت حياة
من خيوطٍ
لا يراها إلا من عاشوا الفقد.
وفي آخر العمر،
حين أغمضت جدّتي عينيها،
لم تكن ترحل…
بل كانت ترتاح
على الطريق نفسه
الذي مشتهُ،
وتقول للريح:
“لقد مشيت بما يكفي…
والآن دَورُكم أن تحملوني.”
(6) ما تبقّى — امرأة تمشي خارج الخريطة
جدّتي…
كانت امرأةً
لم تكتبْ كتابًا،
لكنها كتبت طريقًا
يمرُّ في اللد
ويمسّ قلبَ رام الله
ويبدأ دائمًا
من بيتِ جالا.
كانت امرأةً
تعرف
أن الوطن لا يعيش
في الأرض وحدها،
بل في الذين يحملونه
على أقدامٍ
متعبةٍ
ولا تستسلم.
امرأةٌ
تركت لنا وصيّة واحدة:
أن نمشي…
حتى لو ذاب الطريق،
وأن نحمل صوتها
كما يحمل العصفور
غصنًا
يبني به
عشًّا من ضوء.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر