تصحيح مسارات الإنتاج الفني والرقمي لتلافي مزيد من الانحدار القيمي وتعفن الأدمغة …احمد الحاج جود الخير

منبر العراق الحر :

بعد أشهر قليلة على دراسة علمية رصينة نُشرت نتائجها في “مجلة بي إم سي للصحة العامة “حذرت من خطر مشاهدة الفيديوهات القصيرة ،أو الريلز، وعلاقتها الوثيقة بزيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم لدى البالغين،سبقها تحذير أطلقته جامعة اكسفورد من مغبة شيوع ظاهرة “تعفن الدماغ ” الناجم عن متابعة المحتوى القصير غير الهادف،وعلى منواله المحتوى الهابط وبما يضيع أوقات الشباب ويسفر عن انخفاض مستوياتهم الدراسية واصابة كثير منهم بالإحباط والتشتت والقلق والاكتئاب وإدمان هذه المقاطع القصيرة التي لا قيمة لها من على وسائل التواصل الاجتماعي كافة ” التيك توك ، انستغرام ،فيسبوك ” ولاسيما بين جيل زد وألفا ، فيما حذرت دراسة امريكية مناظرة من خطر التعرض المستمر لانبعاثات الضوء الأزرق، ومن انخفاض مدى الانتباه، وصعوبة الحفاظ على التركيز على المحتوى الأطول !

وكان استشاري الطب النفسي، الدكتور جمال الطويرقي، قد حذر مسبقا من التأثيرات النفسية والعصبية الخطيرة الناجمة عن إدمان مشاهدة مقاطع الريلز القصيرة على منصات السوشيال ميديا ، مؤكدا تسببها بآثار سلبية مباشرة على الدماغ مشفوعة بتشتت الانتباه وضعف الذاكرة والتركيز، وبالاخص لدى الأطفال ،سبقته في ذلك استشارية الطب النفسي الدكتورة المصرية إيمان عبد الله، حين كشفت عن أن مشاهدة الفيديوهات القصيرة والسريعة التي لا تتجاوز مدة الواحدة منها 90 ثانية من شأنها أن تجعل عقل الإنسان شارداً ومشوشا ومصابا بحالة من الانسحاب والانجراف وبما يؤثر سلبا على الدراسة والعمل، وبما بات يعرف طبياً بـ” العقل غير السعيد” وفقا لموقع مصراوي الإخباري ، وأخطر ما في هذه العادة أنها تَحولُ بين مدمن المقاطع القصيرة المتتالية والسريعة،وبين التحقق من دقة المعلومة وتحليل مضمونها والتأكد من مدى صحتها،وبما يفسر لنا أسباب شيوع ظاهرة الأخبار الكاذبة،وبث الاشاعات وتناقلها عبر مواقع التواصل بكل وضاعة و سذاجة وسطحية .

وتأييدا لما جاء في تلكم الدراسات ، علما بأن كل ما أسلفت لكم هو مجرد غيض من فيض، فالدراسات العملية بهذا الصدد والتي تحذر من تعفن الادمغة وضعف التركيز تترا و بوتيرة متصاعدة باطراد ، فقد حدث قبل أسابيع خلت أن أرسلت نصا مكتوبا مع سيناريو متكامل يتضمن برنامجا تربويا وتوعويا هادفاً من ثلاثين حلقة الى احدى الفضائيات المحلية لغرض انتاجه قبل حلول شهر رمضان المقبل 1447 هـ على أمل عرضه بعد إنجازه طوال الشهر الفضيل بواقع حلقة واحدة يوميا،فجاءني الرد الصادم وخلاصته:” البرنامج أكثر من هادف ورائع،إلا أننا نعتذر عن انتاجه واخراجه، فمثل هذه البرامج لم تعد مطلوبة ضمن قائمة برامجنا الرمضانية السنوية ،لأن المطلوب حاليا هو برامج التسلية والترفيه القصيرة ، والمسابقات والطبخ والمسلسلات،وبرامج تفسير الأحلام وقراءة الحظ والطالع اضافة الى الكاميرا الخفية !!”.

الحقيقة أننا لطالما قرأنا عن “أسس وقواعد النجاح”،ولكم تمنيت لو أننا قرأنا وبذات التفاعل أكثر عن أسباب الفشل بالتوازي كذلك وبما يتماهى مع فقه النوازل والأولويات والمستجدات،ذاك أن الأولى ترشدك الى وسائل وطرق النجاح ،أما الثانية فتعلمك كيف تحافظ على قمتك،على تألقك،على تميزك،على مبادئك،على قيمك برغم كم المتغيرات والحادثات والتحديات المتسارعة و بوتيرة متصاعدة من حولك، ومن دون أن ترتكس أو تتلوث أو تنتكس على حين غرة لتهوي ومن حيث لا تحتسب الى ما لا تحمد عقباه والى أعمق قاع ، ومعلوم بداهة بأن الاستدراك والوعي وإن جاء متأخرا فذلك قطعا خير من أن لا يأتي مطلقا ،لأن كل ادراك جاد سيتبعه استدراك لا محالة.

ففي الوقت الذي حامت فيه الدراما التلفزيونية والمسرح والسينما العربية فضلا عن الاجنبية حول الحانات والمواخير وصالات القمار والغناء وما يسمى بالرقص الشرقي ، فإنها سخرت وباصرار عجيب من الكتاتيب والأئمة والخطباء والدعاة وعلى منوالهم من الطالب الذكي ، والجار المؤدب ، والصديق الصدوق ، والمعلم الخلوق،والعامل الكادح المجد ، والفلاح المخلص ، والجندي الباسل ، ممن قيل فيهم” تقوم الأوطان على كاهل ثلاثة: فلاح يغذّيه، وجندي يحميه، ومعلّم يربيه” .

ومن يرصد بوصلة الانتاج الفني وخارطته عن كثب فإنه لن يعدم وسيلة في التوصل الى حجم الترويج المتعمد لظواهر العنف والتسول والمخدرات والخمور و الانتحار والخيانات الزوجية، ومثلها الاجهاض وما يعرف بالامهات العازبات،مع الترويج لتجارة السلاح والاعضاء البشرية، والبيدوفيليا ، والنيكروفيليا ، و الزوفيليا ،و السادية ، والماسوشية وغيرها ، وكلها اضطرابات نفسية ، وتصدعات أخلاقية ، وشروخ مجتمعية خطيرة للغاية تروج لها السينما العالمية والعربية ومثلها الروايات الرومانسية والمسلسلات المدبلجة منذ فترة ليست بالقصيرة ،والمطلوب بإلحاح استحداث فنون مضادة بذات القوة ولكن بعكس الاتجاه ، وغايتها هي غرس المثل النبيلة ، والمبادئ السامية ، والأخلاق الحميدة في نفوس أبنائنا وبناتنا ونسائنا وعقولهم ، لتكون بمثابة ” فنون وآداب لإحياء الفضائل غايتها مكافحة الفواحش والرذائل”.

ولا يخفى على ذي لب بأن للتيارات الإلحادية واللادينية واللا أدرية والتنويرية والوجودية والنسوية اليد الطولى في ذلك ولغايات خبيثة في أنفسهم ،أو لأجندات أخبث قد صيغت لهم سلفا من وراء الحدود ، وليست القضية محصورة كما يتوهم كثيرون بالجانب الفني ،أو الحبكة الدرامية ، أو حرية التعبير عن الرأي فحسب،ولا بـشباك التذاكر أو بـ ” الجمهور عاوز كده ” بل لوجود مرام خبيثة وأهداف غير نبيلة مرسومة بعناية لا بد من أخذها بالحسبان، والحد من تأثيراتها السلبية قبل فوات الأوان ،لأن محاولة إسقاط هيبة الفضيلة وشخوصها ورموزها،ولأن بديل خطاب الوسطية والاعتدال ولاريب ستكون فوضى أخلاقية وقيمية ومجتمعية عارمة لا تحمد عقباها، وبما نسمع عن بعض إفرازاتها المرعبة يوميا عبر وكالات الأنباء ،ونشرات الأخبار ، ولأن الدراما والسينما وفي هذه الحالة لم تعد تسعى الى ترفيه الناس ، ولا الى فصل الدين عن السياسة أو عن الدولة ، كما يزعم بعض أرباب الصنعة، بل لقد شطت بعيدا لتفصل الدين كله عن الحياة برمتها ،وهنا مكمن الخطر الداهم وبيت القصيد .

وتأسيسا على ما تقدم أقترح الشروع عاجلا غير آجل وبعد تقديم البحوث ،وعمل الدراسات الرصينة المطلوبة بتأسيس”اتحاد أدباء وكتاب وإذاعيي وتلفزيوني ومثقفي الفضيلة لمواجهة الرذيلة “اضافة الى تشكيل ” رابطة الإنتاج الرقمي الهادف “على أن يتولى هذا الاتحاد ومثله الرابطة مهمة دعم كتاب النصوص المثمرة ، وإنتاج المقاطع الرقمية الهادفة،وعرض المسرحيات الجادة ،واخراج البرامج الإذاعية و التلفزيونية والأفلام السينمائية التربوية والتوعوية الراشدة لهذا الغرض من دون التقصير في الجوانب الفنية ،ولا إغفال الجوانب التقنية ومثلها عوامل الإبهار والتصوير والإمتاع لجذب المشاهدين أو المستمعين وشد انتباههم فالجدية الموضوعية ورصانة المضمون لا تستلزم الذهول عن المؤثرات السمع – بصرية ، بل على العكس من ذلك،إذ لابد للعمل الفني الجاد الرصين ، رقميا كان أم إذاعيا وتلفزيونيا والذي يحمل رسائل أخلاقية وانسانية ووطنية نبيلة وهادفة عدة ، أن يتحلى بقمة الإبهار والعصف الذهني والوجداني لإزاحة الغث الدرامي المضاد ، والتافه الرقمي المنافس، بهدف إيصال الفكرة ،وتشكيل الوعي الجمعي الراقي بعيدا عن السآمة والتكرار والانحطاط والملل .

وحسنا فعلت مؤسسة”توقد الثقافية “العراقية باطلاقها سلسلة تثقيفية رقمية هادفة لإحياء الفضائل،ومكافحة الرذائل ، ولكن بطريقة جذابة وآسرة تخلب الالباب تصلح للمشاهدة والمتابعة فرديا وجماعيا،بدلا من مقاطع الريلز القصيرة التافهة والفاضحة والتي عَفَّنَت أدمغة شبابنا، وأثارت غرائزهم ، وسطحت ثقافتهم ، وضيعت أوقاتهم، وأوغرت صدورهم، وبما لا نفع فيه البتة فهل من معتبر ؟

وعلى ذكر أهمية إحياء الفضائل مقابل كبح جماح الرذائل ، ألفت الى أن الأمة تعاني حاليا من أزمة تَنظيرٍ حقيقية مع كثرة المُنَظِرين وزاعميه ومدعيه، ومعلوم بداهة بأن ليس بين أعظم الناجحين والمؤثرين الذين صنعوا التاريخ وحركوا عجلته مُنَظِرٌ تكيفيي واحد يقضي عمره كله داخل برج عاجي مسترخيا على أرائكه الوثيرة تحت التكييف ليصنع فكرا يستحق الاستنساخ والتقليد والاتباع والتأثير،لأن مرحلة التنظير هي مرحلة لاحقة ، لا سابقة ، وعادة ما تبدأ بعد النزول الى الميدان،والعمل بين صفوف الجماهير، واستنشاق غبار المزارع ،ودخان المصانع ،مع تعفير الجباه بتراب الخنادق والشوارع ،والاطلاع عن كثب على معاناة الناس بمختلف مشاربهم ومذاهبهم وشرائحهم مشفوعا بالانصات مليا الى معظم مطالبهم وأمنياتهم المجهضة ،والاستماع الى شكواهم المتتابعة ،علاوة على الاغتراف من معين المراجع العلمية والمصادر الموسوعية وقراءة الكتب ومتابعة تجارب الأمم السابقة واللاحقة وإمعان النظر بمختلف الحضارات والثقافات على سطح الكوكب ، وعلى ضوء تلكم الخبرات المتراكمة ،والتجارب المستفادة ،ومثلها النجاحات والاخفاقات المتتالية ميدانيا، يبدأ المُنَظِرُ بتلخيص تجربته العملية الحية على شكل فقرات ومبادىء وأفكار ومقترحات ويوميات أو مذكرات تستحق الدراسة والتحليل والنقد والاقتباس،وأما التنظير من الابراج العاجية ومن الفاره من غرف الفنادق ما قبل النزول الى الميادين والخنادق ،فهذا يشبه رجلا ضريرا يُطلَب منه أن يصف ديكا وبشكل دقيق وواف بناء على ما يسمعه يوميا من صياحه عند الفجر، أو بناء على وصف جيران الضرير وأصدقائه لهذا الديك الذي لن يصيبه خير من كل هذا التنظير شرَّق به صاحبه أو غرَّب ، وبالتالي فكما أن للشر من المفكرين والمنظرين والمخططين ما لا يخفى على مراقب ولا متابع ، فلابد للخير بالمقابل من منظرين ومفكرين ومخططين يعملون بموازاة أندادهم لتستقيم كفة الصراع ، وتحقق سُنة التدافع .اودعناكم أغاتي

اترك رد