منبر العراق الحر :
تمهيد:
في الليلة التي تلت الاقتراع العام ، بدا أن صناديق العراق تُفتح في بغداد، لكنّ مفاتيحها موزَّعة بين عواصم أخرى. «سكاي نيوز » نقلت عن وزارة الخارجية العراقية وصفها لتصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي حول الانتخابات بأنها «تدخّل غير مقبول في الشأن الداخلي»، وكأنّ بغداد تُعلِّق لافتة صغيرة على بابها تقول لطهران: الكلام على مصيرنا ليس من اختصاصكم. في الجهة المقابلة، كتب موقع «Axios» الأمريكي أنّ واشنطن أبلغت الحكومة العراقية بأنها لن تتعامل مع مسؤولين كبار يرتبطون بجماعات مصنَّفة إرهابية أمريكياً، في تلميح واضح إلى فصائل مسلّحة عراقية. أمّا صحيفة «لوموند» الفرنسية فقد وصفت الانتخابات الأخيرة بأنها تجري تحت «العيون الساهرة» لكلّ من واشنطن وطهران، كأنّ البلد مسرحٌ يراقبه راعيان لا ينامان. بين «سكاي نيوز عربية» و«Axios» و«لوموند» يتكوّن مشهدٌ واحد: صندوق اقتراع يتكلّم بلغاتٍ ليست لغته، فيما يحاول أن يدافع عن اسمه بصوتٍ متقطِّع.
———————-
فيتو فوقيّ أم سيادة منقوصة؟
تبدو السيادة العراقية اليوم، كما تصوِّرها تلك التقارير الغربية والعربية، جملةً هامشية في نصٍّ كُتب معظمه خارج الورق. حين تعلن الخارجية العراقية – كما نقلت «سكاي نيوز عربية» – رفضها للتصريحات الإيرانية، فهي لا تقطع الحبل مع طهران، لكنها ترسم خطاً رفيعاً تقول فيه: إلى هنا يصل كلامكم. وحين تذكر «Axios» أن واشنطن لن تتعامل مع وزراء أو مسؤولين على صلة بكيانات مصنَّفة إرهابية، فإنها لا تُصدر قانوناً عراقياً، بل تُعلن معيار قبول دولي لأي تشكيلة حكومية قادمة. صحيفة «لوموند» الفرنسية، في قراءتها للمشهد، تجمع الخيوط وتلمّح إلى أن بغداد تسير بين إشارتين: واحدة أمريكية حمراء أمام أسماء معيّنة، وأخرى إيرانية خضراء أمام أطر وحلفاء محدّدين. وهكذا تنقلب السيادة من كونها مركز النص إلى هوامشه؛ تُمارَس لا كقرار مستقل، بل كفنّ للموازنة بين تحذيرٍ أمريكي واحتجاجٍ عراقي على تدخّل إيراني، وبينهما قدرة بغداد على إخفاء ارتباكها وراء خطابٍ عن «الاستقلال» لا تملك بعدُ شروطه الكاملة.
سؤال سيادي : هل يمكن لهذه السيادة أن تعود جملةً أصلية في متن النص، لا هامشاً مكتوباً بحبر الآخرين؟
————————
حقائب ملغَّمة… من يحكم وزارات الأمن والمال؟
في التقارير التي نشرتها منصة «Iran International» الناطقة بالإنجليزية، يظهر الحديث عن طموح الفصائل المقرَّبة من إيران لتعميق حضورها بعد الانتخابات عبر بوابات السلطة التنفيذية، خصوصاً في الوزارات الحساسة. وفي تقرير لصحيفة «Yeni Şafak» التركية بنسختها الإنجليزية، يَبرز وصف بغداد لغضبها من تصريحات إيرانية بخصوص الانتخابات بوصفه ردّاً على «تدخّل» في مساحة القرار العراقي. في الخلفية، تأتي بيانات وزارة الخزانة الأمريكية المنشورة على موقعها الرسمي لتضيف طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ تُعلن واشنطن فرض عقوبات على بنوك وشخصيات عراقية متهمة بمساعدة شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، ما يعني عملياً أن وزارتي المالية والبنك المركزي يتحولان إلى خط تماس مالي بين اشتراطات أمريكية وحسابات إيرانية. في هذا المسرح، الوزير القادم إلى الدفاع أو الداخلية أو المالية أو البنك المركزي لن يكون – في الأغلب – قائداً ميليشياوياً مباشراً، بل ما يمكن تسميته «تكنوقراط واجهة»: وجهٌ يبدو محايداً أمام الإعلام الغربي، لكنه ممدود بخيوط ثقة أو ولاء مع قوى نافذة في الداخل. تقرير «Axios» عن الرسالة الأمريكية، وتغطيات «Iran International» و«Yeni Şafak»، وبيانات وزارة الخزانة، كلّها تشير إلى أن الأسماء تُختَبَر لا في قدرتها على إدارة الملفات فحسب، بل في قابلية أجسادها لتحمّل ضغط فيتوَين متقابلين.
سؤال حكومي : هل يمكن أن تستعيد هذه الحقائب يوماً معناها بوصفها أدواتٍ لبناء مؤسسات، لا خطوط اشتباك بين إشارات متناقضة؟
——————-
الطريق الثالث… بين شوارع «تشرين» وخرائط «لوموند»
منذ أن خرجت احتجاجات «تشرين» إلى الشارع، حملت معها وعداً كامناً بطريقٍ ثالث لا تُعرِّفه لا واشنطن ولا طهران. غير أنّ هذا الوعد، كما تُشير إليه قراءات بعض الصحف مثل «لوموند» و«المونيتور»، ظلّ يتكسَّر على جدران بنية سياسية عميقة، تشكّلت خلال عقدين من المحاصصة والسلاح الموازي. فالحكومة الحالية تقدّم خطاب «التوازن» بوصفه عنواناً لموقعٍ بين الطرفين؛ تتعامل مع الولايات المتحدة في ملفات التدريب والدعم المالي، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقةٍ دافئة مع طهران، وهو ما تلتقطه التحليلات الغربية بوصفه «مشيًا على حبلٍ مشدود» لا مشروعاً مكتمل الملامح. لا «لوموند» ولا «المونيتور» ولا غيرهما ترى حتى الآن كتلةً عراقية صلبة قادرة على تجسيد هذا الطريق الثالث في صورة حزبٍ أو تحالفٍ كبير؛ ما نراه هو رغبة تتوزّع بين مجتمع شابٍّ ضاق بمشهد السلاح والفساد، ونخبة تكنوقراط تحاول التقاط الهامش الذي يتيحه تقاطع المصالح الإقليمية والدولية. الطريق الثالث، في ضوء هذه القراءة المتقاطعة بين الشارع وخرائط الصحافة الغربية، ما يزال أقرب إلى استعارةٍ روحية منه إلى بنيةٍ سياسية؛ موجود بوصفه «إحساساً عاماً» أكثر من وجوده كقوة منظَّمة.
فهل يُكتب للطريق الثالث أن ينتقل من خانة الشعور الجمعي إلى خانة الفعل المؤسسي؟
———————
خاتمة
العراق، كما تعكسه شاشات «سكاي نيوز عربية» وتقارير «Axios» و«لوموند» وسواها، يبدو أشبه بمرآةٍ معلَّقة بين ريحين؛ كل ريح تريد أن تترك صورتها على سطحه. لكنّ المرآة، في النهاية، ليست مِلكاً للريح، بل لمن يجرؤ على تثبيتها في مكانها.
السؤال الاخير : هل يأتي اليوم الذي لا تعود فيه البلاد موضوعاً في تقارير الآخرين، بل فاعلاً يعيد توجيه أسئلة تلك التقارير ذاتها؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر