منبر العراق الحر :
قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) سورة البقرة : (278)
لطالما حذر الإسلام الحنيف من الثالوث المشؤوم الذي تغرق البشرية اليوم في مستنقعاته الآسنة ” الربا + الرشوة + الظلم ” وكلها تغمط حقوق الناس، تهتك حرماتهم،تنتهك انسانيتهم ،تثقل كاهلهم ، تدمي قلوبهم ، تشوش حياتهم ،تسرق جهودهم،تؤرق لياليهم ،تذل نهاراتهم، فمن يملك مالا يرشي به المتنفذين والمسؤولين الفاسدين فإنه سيحظى بالمناصب والتعيينات والمكاسب والشهادات والبعثات والزمالات ليتربع على سلم الاولويات وفي صدارة الاهتمامات وفي كل مناحي الحياة بكنف المجتمعات الظالمة، وعلى النقيض من الراشي الخسيس، فإن الفقير والمسكين والعاطل والكادح الشريف لن يحظى واحدهم حتى بفرص العيش الكريمة ، ولا بالخدمات والدواء والعلاج والرعاية الصحية اللازمة للحفاظ على حياته ، ولا بالتعليم والسكن والمأكل والمشرب والملبس اللازم له ولأفراد أسرته إلا بشق الأنفس، ولن يحصل على أية فرصة عمل حلال تناسب شهاداته وخبراته وتخصصه إلا لماما، وعلى غرار الرشوة المحرمة التي تأكل حقوق الناس بالباطل يفعل الربا المحرم الأفاعيل ليسحق ضحاياه سحقا ويستعبدهم استعبادا على مستوى الأفراد والجماعات، كذلك يفعل الظلم بكل أنواعه وأشكاله وصوره، ولاسيما الظلم السياسي، والظلم المجتمعي، والظلم العشائري، والظلم القبلي، والظلم القومي ، والظلم الطائفي ، والظلم الإثني ،والظلم الأيديولوجي ،الظلم القضائي، فحيثما ظهر الظلم استشرت آفتا الرشوة والربا، والعكس صحيح ، وكل طرف من أطراف هذه المعادلة المقيتة يُستَنسَلُ من الآخر بالتتابع !
الإسلام حرم الربا بأنواعه ولقد لعن النبي ﷺ : ” آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه” .لما يسببه الربا من استغلال حاجة الناس الملحة، وزيادة معدلات الفقر،واستفحال ظاهرة البطالة ،وانتشار الظلم الاجتماعي،وتكريس التمايز الطبقي،واثارة البغضاء والعداوات بين أبناء المجتمع الواحد،وارتفاع الأسعار ، وفقدان روح التعاون والتراحم بينهم اضافة الى إثقال كاهل المدينين لصالح الدائنين ،وعدم القدرة على تسديد الدين الأصلي ولسنين طويلة وذلك لتراكم الفوائد السنوية المترتبة عليه ما يؤدي إلى سجن الكثير من المدينين وفقدانهم لوظائفهم وتدمير لأسرهم ، أو مصادرة أموال وأملاك آخرين منهم،أو الحجر عليها، أو استغلالهم في أعمال منافية للآداب والاخلاق مقابل الدين الذي لا يمكنهم سداده بسبب الربا ولعل مسرحية شكسبير الشهيرة ” تاجر البندقية ” قد لخصت جانبا مهما من آفات الربا ولا إنسانيته عبر التاريخ متمثلة بتاجرها المرابي”شايلوك”.
ولهذا فإن الدول التي تريد العيش بسلام محافظة على شعوبها وعلى سيادتها وأمنها واستقلالها عادة ما تتجنب أخذ القروض الربوية قدر الإمكان،فيما تلجأ كثير منها الى خفض أسعار الفائدة ،أو تصفيرها لتحريك خطط البناء والصناعة والاستثمار داخليا .
وسبق لعالم الاقتصاد الفرنسي موريس ألايس، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988،وبهدف إعادة التوازن والتخفيف من حدة الأزمات المالية العالمية ،أن اقترح ” تعديل سعر الفائدة إلى حدود الصفر،ومراجعة معدل الضريبة إلى ما يقرب من 2%” مضيفا،أن “العديد من المفاهيم أسفرت عن انتشار سمعة النظام الرأسمالي على أنه يسمح بالإحتكار أو المقامرة أو استعباد الناس أو الخلل في توزيع الثروة و تركيزها بيد ثلة من رجال الأعمال والاقطاعيين ما يؤدي الى فقر الشعوب وأخيرا سيطرة الدائنين على المدينين “.
الى ذلك دعا العديد من رؤساء الدول بما فيها الصناعية الكبرى مرارا الى خفض معدل الفائدة الى 1% ،أو الى تصفير الفائدة لتحريك السوق المحلي وتلافي الانهيار الاقتصادي السريع خشية حدوث أزمة مماثلة لأزمة الكساد العظيم بين 1929 – 1939، ومثلها أزمة عام 2008 بسبب الديون المتراكمة ، وعلى خلفية الفوائد البنكية الربوية العالية التي أسفرت عن إفلاس البنوك لعدم قدرة المدينين على سدادها بوجود ظاهرتي التضخم والغلاء .
وأما الخبير الاقتصادي العالمي بيتر شيف،كبير الاقتصاديين في”يوروباك”،فقد حذر من أزمات مصرفية عالمية محتملة نتيجة إثقال كاهل البنوك بالديون طويلة الأجل،منخفضة الفائدة ” .
ومعلوم بأن رفع أسعار الفائدة الربوية على القروض مع خفض أسعار السندات عادة ما يؤدي الى الانكماش، وأما خفض الفائدة الربوية عليها فيؤدي الى التضخم ، ولا بد من تصفير الفائدة للعيش بسلام بعيدا عن مطرقة الانكماش ،وسندان التضخم واعتماد ما يعرف بسياسة ” الغُرمِ بالغُنمِ ” أو المشاركة في الربح والخسارة المتمثلة بـ المضاربة، والاستصناع، والمرابحة، والشراكة، والإجارة، اضافة الى اعتماد ” القرضة الحسنة ” بدون فوائد، وتفعيل جباية وادارة أموال الزكاة وتنمية استثمارات الأوقاف الخيرية والصدقة،ودعم القطاع العام، ولا سيما في مجال الصحة والنقل والتعليم والخدمات،علاوة على تشجيع القطاع المختلط .
وكان مؤلف الكتاب الشهير (الأب الغني والأب الفقير) الخبير الاقتصادي روبرت كيوساكي، قد حذر في وقت قريب من خطر إفلاس البنوك العالمية ،وضياع مدخرات المودعين من العملات الورقية بعد رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة، وبما وضع البنوك في حالة من التوتر الشديد بينما يتدهور الاقتصاد العالمي يوميا في إطار معركة البنوك المركزية ضد التضخم،ناصحا الجميع بضرورة”البقاء بعيدًا عن البنوك التي تنهار،وسحب الأموال منها، وحماية ثرواتهم من خلال الاستثمار في الأموال الحقيقية المتمثلة بالمعادن الثمينة كالذهب والفضة”.
وأما ما يتعلق بالآفة الثانية فلقد حرم الإسلام الرشوة تحريما قاطعا ، قال تعالى : ” وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ” سورة البقرة: 188.
وقد لعن النبي محمد ﷺ” الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي” .
وتعد الرشوة واحدة من أخطر الآفات الأخلاقية والمجتمعية والاقتصادية المدمرة للمجتمعات والبلدان ،وتتسبب الرشوة بغياب معايير النزاهة، وفقدان الثقة بين الناس، وخيانة الأمانة المهنية والوظيفية ،وشيوع مظاهر التزوير والتلفيق والاختلاس،وسرقة جهود الآخرين،وضياع حقوق المثابرين والناجحين والمجتهدين .
وأما عن الآفة الثالثة = الظلم ، فقال تعالى في محكم التنزيل : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
ولقد حذر النبي محمد ﷺ من خطر الظلم بكل أنواعه وصوره وأشكاله، ومن الاعتداء على حقوق الآخرين، كما حذر النبي محمد ﷺ من خطر البخل والشح ومن الامتناع عن مد يد العون المادي والمعنوي الى الآخرين : “اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم.حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم” .
واﻵيات القرآنية التي تحرم الظلم بكل أنواعه كثيرة، سواء ظلم الإنسان بتجاوزه الحد مع خالقه ،أم ظلم الإنسان لنفسه،أم ظلم الإنسانﻷخيه الانسان، الظلم الاجتماعي والعنف والتعنيف الأسري، كما حذر رسول الله ﷺ من الظلم وصنوفه في أحاديث شريفة حفلت بها السنة النبوية المطهرة ومنها قوله ﷺ: “اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ” .
وقوله ﷺ” دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه”، و قَالَ رسول الله ﷺ : “إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ” ثُمَّ قَرَأَ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).
وقوله ﷺ” مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ. إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ”.
ولعل من روائع فيلسوف الحرية كما يطلق عليه، الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه ذائع الصيت ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد ” تلخيصه لمنظومة الظلم والاستبداد قائلا ” الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال” ، ولله در القائل في الظلم :
لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدراً..فَالظُلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إلى النَّدَمِ
تنامُ عَيْنُكَ والمَظْلومُ مُنَتَبِهٌ ..يدعو عليك وعين الله لم تنم
نقلا عن كتابي: ( لماذا أحب محمدا ﷺ ؟ ) بكل لغات العالم الحية .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر