منبر العراق الحر :
في بلادٍ لا تعرف إن كانت تنتمي إلى جغرافيا معترف بها أم إلى خيال كاتب يحب المبالغة، قامت دولة اسمها – مجازاً – دولة الاستفهام الدائم وكل شيء فيها ينتهي بسؤال، وكل شيء يبدأ بسؤال آخر حتى الطريق إلى البيت قد يتحوّل إلى علامة استفهام كبيرة تمدّ لسانها للمواطن وهو يبحث عن منفذ لا يعرف إن كان مفتوحاً أم مغلقاً أم “راجع باجر “.
في هذه الدولة يعيش المواطن ككائن أسطوري نادر، لا ينام إلا بعد أن يقنع نفسه بأنه سيكون بخير، ثم يستيقظ ويكتشف أن هذه القناعة تحتاج إلى صيانة دورية يفتح عينيه في الصباح ليجد الكهرباء قد خطفت نفسها، والماء يعتذر عن عدم الحضور، والراتب يتنفس آخر أنفاسه قبل أن يخرج من جيبه إلى جيوب الآخرين ومع ذلك يبتسم المواطن وكأن شيئاً لا يحدث لأن الضحك عنده ليس ردة فعل، بل آلية بقاء.
أما المسؤول فهو ظاهرة طبيعية مثل الرياح الموسمية: يأتي فجأة، يظهر في الكاميرا، ينثر تصريحات مثل قصاصات ورق ملونة، ثم يختفي بصمت دون أن يعرف أحد إلى أين ذهب وحين يتحدّث المسؤول، تشعر أن البلاد في طريقها إلى النهضة خلال ثماني وأربعين ساعة، لكن حين تنظر حولك تكتشف أن الطريق الوحيد المعبّد هو طريق الوعود فالمسؤول هنا لا يخطئ أبداً، فهو محاط دائماً بعدد كافٍ من الناس ليحملوا الخطأ عنه، وإن لم يوجدوا، فإن الظرف الطارئ هو المتهم الدائم الذي لا يعترض.
الدائرة الحكومية في هذه الدولة ليست مكاناً لإنهاء المعاملات، بل مختبر صبر وتجارب إنسانية عندما تدخلها تشعر أنك تحولت إلى شخصية في فيلم طويل لا نهاية له والموظف يجلس على كرسيه كأنه فيلسوف يوناني، يحدّق في الورقة كأنها كتاب مقدّس، ثم يقول: “ناقص توقيع”. وحين تسأله : “أي توقيع ؟” يشير إلى زاوية فارغة كأنك يفترض بك أن تعرف مسبقاً مكان التوقيع الغائب وتخرج لتبحث عن صاحب التوقيع، فتكتشف أنه في إجازة، أو في اجتماع، أو في إجازة لأنه في اجتماع، أو في اجتماع للتخطيط لإجازاته القادمة.
الطريق في هذه الدولة تجربة روحية، إن لم تُصلِّ قبل المغادرة فسوف تُصلّي أثناء السير والحفر ليست حفراً، إنها معالم طبيعية ثابتة، يعرفها الناس أكثر مما يعرفون أعيادهم الرسمية والسيارات هنا لا تمشي… بل تتفاوض مع الشوارع والسائق لا يقود… بل يناور وكأنه في مهمة سرية غير معلنة أما إشارة المرور فهي مجرد اقتراح، يمكن احترامه… ويمكن تجاهله… ويمكن التعامل معه حسب الحالة النفسية.
الاقتصاد يشبه بالوناً يتنفس بطريقة غريبة: ينتفخ حين لا يحتاج الناس إليه وينكمش حين يقترب الراتب من الجيب الأسعار لا ترتفع… بل تتسلّق مثل متسلق جبال مدرَّب، تصعد بلا خوف وبلا توقف وفي كل مرة تصل إلى قمة جديدة، تقف لحظةً وتنظر للمواطن وتبتسم له ابتسامة ساخرة قبل أن تواصل التسلق. الراتب بالمقابل، يشبه زهرة برية قصيرة العمر تزدهر في الصباح وتموت قبل الظهر بدون نعي.
ورغم كل هذا، يبقى المواطن يحلم ويحلم بكهرباء مستقرة، وخدمات واضحة وموظف يبتسم دون أن تكون ابتسامته مرتبطة بوجود الكاميرا ويحلم أن يكون للبلاد جدول زمني، وخطة حقيقية وقرارات تُنفذ بدلاً من أن تُعلن فقط والأجمل أنه يحلم دون أن يخجل، لأن الحلم في هذه البلاد ليس ترفاً بل ضرورة مثل الخبز والهواء.
وفي ساعات المساء، حين يجلس الناس على الأرصفة أو أمام أبواب البيوت، تبدأ الفلسفة الشعبية. تلك الجلسات التي يُحلّ فيها كل شيء… ويعاد ترتيب العالم… ويصبح الإصلاح أسهل من غسل اليدين الجميع يعرف أين تكمن المشكلة، والجميع لديه حل، والجميع يستطيع أن يصبح وزيراً في عشر دقائق فإذا انتهت الجلسة عاد كل شخص إلى بيته مطمئناً أنه أدى واجبه الوطني نظرياً.
ومع كل هذا التناقض، يظل الناس هنا مدهشين. يضحكون لأن البكاء لا يليق بهم ويواصلون حياتهم لأن التوقف ليس خياراً ويحبون الوطن رغم أنه يتأخر عليهم دائماً وقوة هذا الشعب ليست في الطرق المعبدة أو الرواتب الكبيرة، بل في قدرته العجيبة على تحويل الواقع الصعب إلى نكتة والنكتة إلى طاقة، والطاقة إلى استمرار. إنهم يعيشون في دولة الحيرة… لكنهم يصنعون منها مساحة حياة، ويزرعون فيها أملاً صغيراً يكبر رغم كل شيء.
ولهذا تبقى هذه البلاد، رغم التعب، رغم الضجيج، رغم الازدحام، أجمل مما يفهمه الآخرون، لأنها تُدار لا بالقوانين فقط… بل بقلب شعب لم يتعب بعد من الضحك، ولم يتعب بعد من الانتظار، ولم يتخلَّ عن فكرة أن الغد – مهما بَعُد – سيأتي يوماً وهو يحمل بيده شيئاً افضل…
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر