منبر العراق الحر :
بين سيف وتأريخ ومداد ومدرسة، ولدوا سادة في المواجهة، فأيقنوا أن القوة تكمن في النهوض بها، وأن المواقف فيها إنما ساعة، دمائهم ومحاريبهم حلقات بطولة أسعفت التأريخ، فكانوا هم الزارعون دائماً والحصاد للأمة.
شهيد المحراب أيها الحزن الجارف الذي ينتقل بين الأزمنة، قد أبيضت عليك عيون الوطن، وماتزال عطاء لذلك الحصاد..نعم أيها الخالد سيدي، ياروحاً طوافة بين أركان المجد، عصي على النسيان وأنيابه المفترسة، كأنك السيد لأزمنة قادمة، يا سيرة ومسيرة برقت روحك فيها بمن أخلفتهم، فلم يبلى مشروعها ولم تنقطع ثمارها، ويا تعويذة وبسملة مزقت وحشة الصمت كآذان الصلاة، ويا رجاء بفاطمة لن يخيب، كأنك الدعوة المجابة في محراب مريم، أغبطت الحسين لمصرعه، فعشقت به التكليف في أمنية بين التراب والدم.
نعم أيها الجرح الغائر في ضمائرنا لا يهدأ ولا يشفى، ولوعة حزن لا تجلى، قد أمسيت طقوس رحيل سكنت القلوب، يافديً طاهر كنذر إبراهيم، عشقت الوطن فوزعت أشلائك ودمائك على أتجاهاته بالتساوي، يا ضمير عاشورائي سخر من شفار السيف فإنتصرت دمائه، فأشلائك تسابق أوصالك كي تعاضد رجبيتك الغاضريات، فكنت حرزاً لمسيرة رفضت صفحاتها ساسة المواقف القلقة وإزاحاتهم الجيلية لأجيال عاشت وتعيش على مبادئكم.
ترفعت عن أولئك الملتحفون بأغطية من ريش، ففقدوا قراءة الزمن وإعتقدوا أن المواجهة فخ فأنفضوا من حولك، قنصهم الذل فكانوا في سقوط مدوي خارج القيم، فأوصدت أمامهم أبواب المسيرة كي لا تكون فقيرة الأدوار والنتائج، فكانت صفوفها أقوى من الظروف، كالسندان الذي يدوم أكثر من المطرقة، فمن قباب الغري الى قصب الجنوب الشامخ كشموخك للقدر، كان محرابك ونافلتك يرسم لك المثابة والصولة في خطوات لم يقهرها التردد، لينثر للأجيال حكايتك من بداية ونهاية رائعة (فارس أغبط الحسين لمصرعه، فعشق به التكليف) وقد صنعت أمة تحيا، كان التأريخ يتنقل بين أدواركم ودمائكم فتغرد صفحاته.
نعم يا سيدي، يا فرات كريم سقى الفرات حين عطشت ضفافه، فكانت إليه دمائك، وكنت المرفأ فيه لقلوب وضمائر تتنقل من الدرس إلى التطبيق، فلحقوا في القافلة ومنهم في الأثر، كي لا يضمئ التأريخ والطريق، فسلام عليك وعلى دمائك الطاهرة ومسيرتك المتعففة الزاهدة، والسلام على الأوصال الموزعة بكل الإتجاهات لترسم على الوطن صور الإباء والكرامة، والسلام على المتوضئ بماء الفرات، وتيممت أوصاله بتراب الغاضريات، فشيع في السماء بجنازة كربلائية، وسلام عليك في الخالدين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر