كوميديا الواقع مسرحية بلا نهاية…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في هذا العالم الذي أصبح يركض بسرعة بينما سكانه يركضون ببطء أشدّ من سرعة تحميل فيديو بجودة منخفضة نكتشف كل يوم أن الواقع أكثر مهارة من الكتاب في ابتكار المفارقات الساخرة وفي الواقع صار كاتب كوميديا مُعلّقًا يقدّم عروضه المجانية على شكل أخبار وتصريحات ومشاهد يومية لا تحتاج إلى خيال لتبتسم، بل تحتاج فقط إلى قدرة على احتمال كمية العبث الموجودة فيها.
خذ مثلاً علاقتنا بالوقت… فنحن الشعب الوحيد الذي يستطيع أن يتأخر ساعة كاملة ثم يدخل المكان وهو يضع يده على قلبه بشكل مسرحي ويقول لك : “والله زحمة… الطريق كان مغلق… الدنيا كلها عليّ اليوم.” وكأنّ العالم كله قرر فجأة أن يتآمر عليه كي يصل متأخرًا ومع ذلك نلوم الحكومات على بطء الإجراءات وان الإجراءات بطيئة ؟
نعم ولكننا نحن، شعبٌ لديه القدرة على تحويل نهوضه من السرير إلى ملحمة تاريخية تستحق التدوين في المناهج الدراسية.
أما إذا أردت السخرية الحقيقية، فاذهب إلى المؤسسات وهناك ستكتشف أن العالم ينقسم إلى نوعين من الموظفين :
موظف يعمل بجد… وموظف يجيد التظاهر بأنه يعمل بجد والثاني غالبًا هو الأكثر خبرة.
وتجده يكتب على لوحة مكتبه “الرجاء عدم الإزعاج” رغم أن لا أحد أصلًا ينوي إزعاجه وهو يقلب الأوراق ينظر للسقف، يكتب شيئًا غير مفهوم، ثم يطلب منك الانتظار لأن “المعاملة تحت الإنجاز” والإنجاز هنا لا يعني أنها تسير… بل يعني أنه سيذهب لشرب الشاي ويعود ليخبرك أن عليك المراجعة غدًا.
وعند الباب ستجد ذلك الحارس الذي يشعر بأن الكون كله يدور حول كرسيه يطلب منك هويتك، ثم ينظر إليها وكأنه يقرأ رواية فلسفية معقدة، قبل أن يسألك عن اسمك مرة أخرى ليتأكد من أنك لم تتغير خلال الدقائق الثلاث التي قرأ فيها الهوية وبعدها بكل ثقة يعطيك ورقة صغيرة كتب عليها رقمٍ بخط غير قابل للقراءة، ويقول لك : “انتظر دورك” ، الدور الذي لا تعرف إن كان سيأتي في هذه الحياة أم في حياة أخرى.
أما المجتمع، فحدّث ولا حرج فنحن شعب يحب النصائح ويحب أن يعطي النصائح أكثر مما يحب أن يطبّقها وقد تجد شخصًا ينصحك بالمشي يوميًا لمدة ساعة لتحسين صحتك، بينما هو نفسه يرفض أن يمشي ثلاثة أمتار لجلب جهاز التحكم من الطاولة وشخص آخر يخبرك بعدم التوتر، وهو نفسه يصاب بالحساسية من أول كلمة لا تعجبه وهناك من يدعوك للهدوء وروحه في حالة “غليان” داخلي مستمر كأنه قدر من الشوربة على نار عالية.
وعلى مواقع التواصل، تعيش ملحمة أخرى وكل واحد صار خبيرًا… خبير في السياسة خبير في الاقتصاد، خبير في العلاقات خبير في الفلك… حتى من لم يكمل تعليمه صار يشرح الظواهر الطبيعية وكأنه المستشار العلمي لوكالة ناسا وعندما تجرؤ وتسأله عن المصدر، يصرّح بكل فخر : “المعلومات وصلتني من صديق ثقة ” الثقة هنا أقوى من أي بحث علمي.
ولننتقل للسياسة… هذا المسرح العظيم فالسياسيون يتحدثون بحماس وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة والجمهور يصفق وكأنه سيحصل على مفاتيح السيارة الجديدة والجميع يَعِد… والجميع يصفّق… والنتيجة في النهاية : لا مفاتيح ولا سيارات، فقط تصريحات تضاف إلى أرشيف التصريحات السابقة التي لم يتغيّر منها شيء سوى التاريخ والمضحك أن كل شيء يبدأ بجملة : “نحن جادّون هذه المرة” وكأن المرات السابقة كانت مجرد بروفة.
أما المثقفون، فأصحاب حضور استثنائي وبعضهم يفكر بطريقة تجعل سقراط نفسه يقف محتارًا، وبعضهم يعيش في عالم نظري لدرجة أنك تشعر بأنه لم يلتقِ بكائن بشري منذ اعوام وهناك من يتحدث عن القيم والعدالة، وهو نفسه يجادل صاحب المحل على خصم ألف دينار من فاتورة لم يدفعها أصلًا وهناك من يكتب عن التسامح بروح تعانق الكون، لكنه يفقد أعصابه إذا لم تضع فاصلة بالشكل الصحيح عند اقتباس كلامه.
والعلاقات الاجتماعية ؟
بحر آخر ففي المناسبات، يصبح الجميع فجأة قريبه ويبدأون بمعانقتك وكأنك جئت من معركة وتسأل شخصًا : “شخبارك ؟” فيرد عليك بجملة طويلة تتضمن تفاصيل حياته منذ الطفولة وحتى اللحظة، رغم أنك كنت تنتظر منه كلمة “تمام”. وإن أخطأت ولم تسأله أصلًا سيقول لك : “إي ما سألت عني، شكلك ناسيني.” وكأن السؤال عن الصحة عقد قانوني ملزم.
وفي النهاية، نحن نعيش وسط كوميديا مكتوبة بإتقان شديد ، بل إن أجمل مافي السخرية أنها تمنحنا القدرة على الضحك رغم كل شيء، على فهم ما لا يُفهم على تفكيك ما لا يمكن تغييره، وعلى جعل العبث أقلّ وطأة.
السخرية ليست عدم احترام… السخرية هي طريقة راقية لنقول للعالم :
“نحن نفهم اللعبة… ونضحك بدل أن نُهزم.”

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد