منبر العراق الحر :
تعاني السياسة العراقية منذ سنوات من مفارقة حادة: وفرة الخطاب وندرة الرؤية. فبدل أن تُدار الدولة بعقلٍ استراتيجي يقرأ الزمن بوصفه مسارًا، تُدار في كثير من الأحيان بعقلٍ لحظيّ يستجيب للضغط الآني، ويُطفئ الحرائق دون أن يعالج أسباب اشتعالها. قرار اللحظة، حين يصبح قاعدة لا استثناء، يحوّل السياسة إلى ردّ فعل دائم، ويُفقدها القدرة على التنبؤ والتخطيط وبناء الثقة.
الرؤية الاستراتيجية ليست وثيقة تُعلّق ولا شعارًا يُرفع، بل منظومة تفكير تربط القرار بالحلم الوطني، وتربط الحاضر بمآلاته. غيابها يعني أن القرارات تُتخذ تحت ضغط الشارع حينًا، وتحت ضغط التوازنات حينًا آخر، من دون إطار جامع يُحدّد الأولويات أو يُوازن بين الممكن والضروري. هكذا تتراكم القرارات الصغيرة بلا خيط ناظم، فتبدو الدولة كمن يتحرك كثيرًا ويصل قليلًا.
قرار اللحظة قد يكون مبرَّرًا في الأزمات الطارئة، لكنه يصبح خطرًا حين يتحوّل إلى نمط حكم. عندها تُستبدل السياسات العامة بإجراءات إسعافية، وتُستبدل الخطط طويلة الأمد بتسويات قصيرة العمر، وتُدار الملفات الكبرى بمنطق “إطفاء اليوم” لا “بناء الغد”. والنتيجة اقتصادٌ بلا بوصلة، وإدارةٌ بلا ذاكرة مؤسسية، وثقةٌ عامة تتآكل مع كل انعطافة مفاجئة.
الأخطر أن مناخ اللحظة يُغري بالخطاب الانفعالي، ويُضعف المساءلة؛ فالقرار السريع يُسوَّق بوصفه شجاعة، بينما تُغيَّب الأسئلة عن كلفته المستقبلية. ومع الوقت، يتعوّد النظام السياسي على العيش في الطوارئ، فيتراجع الاستثمار في المعرفة والتخطيط، ويُهمَّش دور الخبراء لصالح صُنّاع تسويات.
الخروج من هذه الدائرة يبدأ بالاعتراف بأن الاستقرار لا يُصنع بردّ الفعل، وأن السيادة تُبنى بتراكم القرارات المتناسقة. نحتاج إلى عقل دولة يضع أهدافًا قابلة للقياس، ويُنشئ آليات متابعة وتقييم، ويؤسس لذاكرة مؤسسية تحمي القرار من نزوات اللحظة. حينها فقط يمكن للسياسة العراقية أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن ضجيج اللحظة إلى هدوء الرؤية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر