من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق وتحولات مفهوم الأمة العراقية..رياض سعد

منبر العراق الحر :

قراءة سياسية–اجتماعية–تاريخية في سؤال وحدة مكونات الأمة العراقية

*تحليل نظري: في سيكولوجيا اتحاد الشعوب وتشكل الأمم

تُعدّ ظاهرة اتحاد الشعوب ووحدة الأمم من أكثر الظواهر تعقيدًا في التاريخ الإنساني، لأنها لا تقوم فقط على الجغرافيا أو اللغة أو المصالح الآنية، بل على تراكم طويل من التجربة المشتركة، والذاكرة الجمعية، والعدالة، والاعتراف المتبادل بين مكوّنات المجتمع… ؛ فالأمم والشعوب لا تتكوّن بقرار سياسي فقط ، ولا تُفرض ببلاغة الخطاب، بل تنشأ عندما يشعر الأفراد، على اختلاف أصولهم، أن مصائرهم متشابكة، وأن الألم واحد، والكرامة واحدة، وأن الظلم الواقع على جزء منهم هو ظلم واقع على الجميع.

نعم , ان اتحاد الشعوب ووحدتها ليسا قدراً جغرافياً ولا وهماً ثقافياً، بل هما بناء تاريخي معقد ينشأ من تفاعل عوامل متشابكة… .

*الوحدة بوصفها ظاهرة تاريخية–أنثروبولوجية

من منظور أنثروبولوجي، لا تُبنى الأمة إلا حين تتحول الجماعات الأولية (القبيلة، الطائفة، العِرق، المنطقة … الخ ) إلى فضاء أوسع من الانتماء، دون أن يُطلب منها إنكار ذاكرتها أو محو خصوصيتها.

نعم ، تتنازع الهويات بين الانتماءات العمودية (الدم، الدين، الطائفة) والأفقية (المواطنة المتساوية).

أما تاريخيًا، فإن الأمم التي نجحت في بناء وحدتها، فعلت ذلك عبر تسويات كبرى مع الماضي: محاسبة، اعتراف، وعدالة انتقالية، لا عبر طمس الجرائم أو المساواة الأخلاقية بين الضحية والجلاد.

نعم ، غالباً ما تمر الأمم والشعوب بمرحلة “بوتقة الانصهار” عبر مؤسسات الدولة المركزية (الجيش، التعليم، القانون).

*أما نفسيًا، فالوحدة الحقيقية تفترض حدًّا أدنى من الثقة الجمعية… ؛ وحين تُكسر هذه الثقة مرارًا، ويتحوّل العنف إلى تجربة متكررة غير مُعالجة، ينشأ مجتمع مُصاب بصدمة جماعية، يُعيد إنتاج الخوف والكراهية والانقسام، حتى تصبح الهويات الفرعية أكثر أمانًا نفسيًا من الهوية الوطنية المفترضة… ؛ بينما يشترط الشعور بالانتماء إلى جماعة متخيلة واحدة وجود “نحن” جامعة، تتألم وتفرح لأسباب مشتركة، وتتشارك تصوراً للمستقبل.

*اجتماعياً، تكون الأساطير المؤسسة، والذاكرة الجماعية المشتركة، والمناسبات والرموز الوطنية، والتهديد الخارجي الموحد، حوامل أساسية لهذه الوحدة.

*سياسياً، تنشأ الوحدة غالباً من عقد اجتماعي طوعي أو قسري، يتم عبره تجاوز الولاءات الأولية (القبلية، الطائفية، الإثنية , العرقية ) لصياغة مشروع سياسي وطني جامع.

*الحالة العراقية: التشظي كبنية تاريخية وليست حادثة عابرة

عند إسقاط هذه المعايير على الحالة العراقية، يتبدّى السؤال المؤلم: هل يصحّ فعلًا إطلاق تسمية “الشعب العراقي” أو “الأمة العراقية” على العراقيين؟

الإجابة ليست لغوية ولا قانونية، بل واقعية–اجتماعية… ؛ فالشعب، بالمعنى العميق، هو جماعة تشعر أنها كيان واحد أمام الخطر، وتتوحّد في تعريف العدو، وتفرح لنصر واحد، وتحزن لفقد واحد… ؛ وهذا ما يفتقده العراق اليوم، ليس لغياب التنوع، بل لعجزه عن إدارة هذا التنوع ضمن عقد وطني عادل.

نعم , تقدم بلاد الرافدين نموذجاً صارخاً لتعطيل هذه الشروط… ؛ فبخلاف “الدولة-الأمة” الأوروبية التي بُنيت على تجانس نسبي أو إكراه مركزي طويل … ؛ تشكل العراق الحديث (1921) ككيان جيوسياسي فوق فسيفساء مجتمعية عميقة الجذور… ؛ هنا، لم تكن “البوتقة” تنصهر، بل غالباً ما كانت تغلي وتفصل المكونات.

العراق ليس مجتمعًا متعدّدًا فحسب، بل مجتمع متشظّي؛ حيث لم تُحلّ الصراعات الكبرى، ولم يُحاسَب تاريخ الدم القريب، ولم يُتفق حتى على توصيف الجرائم الواضحة… ؛ وبدل أن تكون الذاكرة الجمعية جسرًا للفهم، تحوّلت إلى ساحة صراع، وبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا، أصبحت السلطة غاية بحد ذاتها، تتنافس عليها المكوّنات بوصفها غنيمة لا مسؤولية…!!

*أسباب التفرق وغياب الإجماع الوطني ( لماذا تفرّق العراقيون؟ )

إن تفرّق مكوّنات المجتمع العراقي لا يعود إلى “طبيعة” العراقيين، بل إلى:

1 .الذاكرة التاريخية المجروحة والمتنازع عليها: التاريخ العراقي المعاصر بل والقديم ليس سردية واحدة، بل هو سرديات متوازية ومتعارضة… ؛ ما يعتبره جانب “انتصاراً” أو “بطولةً” (كحرب الثمانينيات مع إيران)، يراه آخر “مأساةً” و”تضحياتٍ باطلة”… ؛ جرائم النظام البعثي السابق لم تحاكم بشكل جامع وعادل، فبقيت جروحاً مفتوحة ومصدراً للاستغلال السياسي… .

غياب العدالة التاريخية: لم تُغلق ملفات الدم، فبقيت مفتوحة في الوعي الجمعي… ؛ للأسف لم نتفق على أوضح الواضحات وأشهر الجرائم… ؛ وكما لم نحاكم التاريخ المعاصر ولم نجلس لنتفاهم … ؛ هذا يعني غياب “التاريخ المشترك” كأساس للوحدة… .

2. استبدال العقد الاجتماعي بنظام المحاصصة الطائفية- الإثنية: بعد 2003 – وقبل ذلك ( من عام 1920 الى 2003) كان النظام يعتمد العنصرية القومية والصبغة الطائفية والارتباط بالأجنبي والخارجي ؛ اذ لم تؤسس الانظمة البائدة والحالية لمواطنة متساوية تقوم على الفرد وحقوقه، بل جرى تأبيد الانتماءات الأولية عبر نظام حصصي حوّل الطائفة والإثنية إلى هوية سياسية ووعاء للامتياز والصراع…؛ نعم , تم تسييس الهويات: تحوّلت الطائفة والقومية إلى أدوات صراع على السلطة … ؛ و الوحدة هنا أصبحت “وحدة كاذبة… تساوي بين القاتل والمقتول , والاصيل والدخيل “، فهي وحدة شكلية قسرية تختزن بذور الانفجار.

3. استعصاء الهوية: من نكون؟ يقع العراقي في مفارقة هوياتية حادة: هوية عراقية رسمية هشة، وهويات تحتية قوية (عربي، كردي، سني، شيعي، مسيحي، إيزيدي… الخ )… ؛ الصراع ليس بين هذه الهويات فحسب، بل على تعريف “العراق” نفسه: هل هو وطن لجميع مواطنيه، أم هو وطن لمكون مهيمن؟!

لذلك يصبح السؤال: هل يصح إطلاق اسم “الشعب” أو “الأمة” العراقية؟ إجابة تحليلية تقول: هناك “شعب عراقي” كواقع سكاني وجغرافي، لكنه مشتت الانتماء… ؛ وأما “الأمة العراقية” ككيان معنوي متجانس يشعر أفراده بالتضامن العميق والمصير المشترك، فهي مشروع فشلت الدولة والنخب في تحقيقه، بل عملت أحياناً على تفكيكه… ؛ هناك “شعوب داخل شعب”، و”أمم مصغرة” تحت سقف دولة واحدة.

4. اقتصاد الريع وصراع النخب: أدى اعتماد الدولة على ريع النفط إلى تحويل الصراع إلى معركة على مغانم السلطة والثروة، لا على مشروع وطني تنموي… ؛و أصبحت السياسة لعبة محصلتها صفر، حيث يعتبر فوز فريق خسارة للآخر… ؛ فالمعطيات لا تشير ولا تعني إلا بموضوع واحد: السلطة وكيفية استعادتها من غير أهلها!!!”… ؛ حين يكون الهدف هو السيطرة على الدولة (ككعكة اقتصادية) وليس خدمتها (ككيان سياسي مشترك)، يستحيل بناء إجماع وطني فضلا عن دولة ناجحة … ؛ مما أدى الى انهيار الثقة بالدولة: فلم تعد الدولة حكمًا، بل طرفًا…!!

5. التدخلات الإقليمية والدولية: عملت القوى الإقليمية والدولية، لأسباب مصلحية، على تغذية الانقسامات الداخلية وتوظيفها، مما عقد أي جهود للتصالح الوطني وجعل بعض النخب تربط مصيرها بمراكز القوة الخارجية أكثر من ارتباطها بنسيجها الداخلي.

الخاتمة: الكراهية كحقيقة والوحدة كتحدٍّ

الكراهية التي تتمظهر كل فترة بأشكال متشابهة في المضمون هي الشيء الوحيد الصادق في حياتنا… ؛ نعم , عندما تصبح الكراهية والإحساس بالظلم التاريخي المستمر هي الرابط الوحيد المشترك – وإن كان سلبياً – فإن أي دعوة للوحدة تتحول إلى شعار أجوف… ؛ فالسؤال القديم الجديد : “كيف نتفق وعلى ماذا نتفق؟” ليس استفهاماً بل هو تشخيص لمرض عضال مزمن .

إن العراق، بوضعه الراهن، أقرب إلى كيان سياسي يضم جماعات متجاورة، لا أمة متصالحة مع ذاتها… ؛ ولا يمكن استعادة معنى “الشعب” أو “الأمة” إلا عبر شجاعة مواجهة الحقيقة، لا الهروب منها، وعبر وحدة تُبنى على العدالة، لا على النسيان القسري… ؛ فالوحدة التي لا تعترف بالجراح، لا تصنع أمة، بل تؤجّل الانفجار.

خلاصة القول، إن بناء “أمة عراقية” حقيقية يتطلب مشروعاً مصالحة تاريخية جريئة تعترف بالمظالم وتصححها، ونظاماً سياسياً قائماً على المواطنة الفردية لا على المحاصصة الجماعاتية، وذاكرة وطنية جامعة تتسع للكل، وإرادة اقتصادية تعيد توزيع الثروة بشكل عادل.

بدون ذلك، سيستمر العراقيون كسكان يتقاسمون الأرض، لكنهم يعيشون كشعوب متخالفة تحلم بوطن مختلف، إن لم يكن وطن منفصل.

عرض

اترك رد