ليس انتقاصا من السياب: عندما يكون الابداع تعويضا….د.عدنان طعمة

منبر العراق الحر :
تخبرنا التجارب الإنسانية أن فقد أحد الأعضاء البشرية أو الشعور بالنقص لا يطفئ طاقة الإنسان، بل قد يعيد توجيهها نحو مجال مهني اخر أو ابداعي انساني. فكثيرا ما يدفع الحرمان الجسدي أو الإحساس بالاختلاف الفرد إلى البحث عن تعويض رمزي يمنحه معنى وحضورا وشهرة، وكلما كان الشعور بالنقص عميقا، كان النتاج الابداعي عميقا كذلك، والامثلة على ذلك كثيرة.
هوميروس (شاعر اعمى من ايونيا وهي منطقة ساحلية وسط الأناضول بتركيا) والمرتبط اسمه بالعمى، لم ير العالم بعينيه، لكنه منحه واحدة من أعظم الملاحم الشعرية. وبيتهوفن حين فقد سمعه لم تصمت موسيقاه بل ازدادت عمقا كأن السمع انتقل من الأذن إلى روحه المقترنة بالجمال الموسيقي.
طه حسين حرم من البصر، لكنه امتلك بصيرة نقدية جعلته أحد أبرز العقول في الثقافة العربية الحديثة ويكاد يكون المفكر الاوحد في تاريخ المعرفة العربية ، بينما حول بورخيس عماه المتدرج إلى مكتبات متخيلة كتبها بذاكرة تتقدم على العين وحاسة البصر..
فان غوخ، الذي عاش العزلة والاضطراب حتى عاش فترات عصيبة حتى وضع حدا لعذاباته النفسية فأطلق على نفسه رصاصة، ومع ذلك حول ألمه إلى لغة لونية جديدة، وترك أثره في تاريخ الفن رغم قسوته على ذاته. وكذلك يأتي ستيفن هوكنغ مثالا معاصرا، إذ فقد القدرة على الحركة والكلام تقريبا، لكن عقله ظل منفتحا على أسئلة الكون، فأعاد تعريف حدود الجسد بشكل مغاير وان مقولة العقل السليم في الجسم السليم اليونانية تتهاوى متصاغرة أمام اتساع الفكر العبقري.
وفي الشعر العربي الحديث، عبر بدر شاكر السياب عن شعوره بالدمامة والاختلاف الجسدي بوصفه مأزقا داخليا ولد بولادته، لا شكوى عابرة. كان يرى في ذلك سببا لاغترابه المبكر وحساسيته المفرطة، فصار الشعر عنده مساحة تعويض، وصوتا بديلا عن صورة لم تصالحه. من هذا الشعور خرجت قصيدته محملة بالألم والحنين والتمرد، حتى غدا ضعفه أحد منابع قوته الشعرية.
في كل هذه الشواهد، لا يكون النقص سبب الإبداع، بل ضغطه الخفي. وحين يغلق الواقع بابا في الجسد أو الصورة أو القبول، يفتح الإنسان بابا آخر بالكلمة أو الفكرة أو اللون… وهذا ما عبر عنه السياب حين وجده زميل له يبكي وسط قمامة.
🔴

اترك رد