المسيحيون والدين الاجتماعي! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
يتكرّس الأسبوع الأخير من السنة لاحتفالات المسيحيين بمناسبة ميلاد السيد المسيح وأعياد رأس السنة الميلادية؛ احتفالات وطقوس وزيارات للكنيسة، وحضور القدّاس لدى البعض منهم. وهي مظاهر تعمّ الغالبية من مسيحيي العالم، باستثناء بعض الفرق أو الكنائس التي تختلف في التوقيت فتحتفل في الأسبوع الأول من السنة.
المجتمعات الغربية في أوروبا وأمريكا، ومعها بقية المجتمعات المسيحية، تخضع لأنظمة علمانية، بل هي مجتمعات علمانية بالمعنى الكامل؛ لا يتدخل الدين في تنظيم شؤون حياتها أو في رسم قوانينها التي تحكم التعامل اليومي والنظام العام. لقد بنت هذه المجتمعات حضارتها على مفاهيم العلم الحديث والتطور، وتحررت من سلطة الإكليروس منذ مئات السنين. وهكذا تضع الضمير معياراً في التعامل مع الآخر، وهي في جوهرها قريبة أو لصيقة بالمبادئ التي نادى بها دين عيسى المسيح. غير أن المجتمع العلمي–العلماني أنتج قوانين مدنية حضارية متجددة، تواكب تطور العصر وكشوفات العلم، وتحرص على حقوق الفرد والدولة في آن واحد.
لقد أصبحت الممارسات الدينية، مثل الاحتفالات وطقوس الكنيسة في الزواج أو الوفاة، ممارسات اجتماعية ذات مسحة دينية؛ وهنا يدخل الدين بوصفه رابطاً أو رافعة اجتماعية، لا قيداً يصادر السلوك ويزجّ الإنسان في متاهات تعاليم وفقه رجال الدين ونزعاتهم النفسية والذاتية وميولاتهم الحياتية، ولا في لغة التهديد بالنار والجحيم وليلة القبر الأولى، وغيرها من منتجات خيال الرعب والإرهاب.
وحين تصبح المفاهيم والتعاليم العامة للدين هي السقف الذي يلتقي تحته مسيحيو العالم، تتلاشى صراعات الفرق والمذاهب، ويُحال رجال الدين (الإكليروس) إلى التقاعد الرمزي، أو إلى هامش الحياة العامة، في مجتمع يضع الدين في إطاره الثقافي أو النفسي، وفق مفاهيم مجتمع يتغذى بمنجزات العلم لا بالخرافة أو ما وراء الطبيعة. ومن هنا لا يُستغرب أن نجد بعض العباقرة في العلم والفكر والفلسفة والفن يذهبون إلى الكنيسة.
علاقة المجتمع بالدين أصبحت أحدى معايير القياس في التقدم، وعندما تصبح دافعا للصراع والاقتتال والتشدد والارهاب، يصبح الدين هنا علامة تكرس التخلف الاجتماعي، ومساحات سلطة مطلقة لرجال الدين، كما هو الحال لدى المجتمعات المتصارعة والخلافية في آسيا وأفريقيا!
وكل عام والمسيحيون، وشعوب الأرض جميعاً، بخير وسلام.

اترك رد