منبر العراق الحر : ليس هذا العيدُ عابرًا، ولا يجيء خفيفًا كما اعتدناه في ذاكرة الطمأنينة. إنّه يصل مثقلًا بصوت العالم وهو يتشظّى، وبأرواحٍ عربيةٍ تعلّمت—على مضض—كيف تعيش على حافة الخسارة. كأنّ الهلال هذه المرّة لا يُعلن نهاية شهرٍ من الصيام فقط، بل يطلّ شاهدًا على زمنٍ يزداد قسوة، ويسألنا بصمتٍ مربك: ماذا بقي فيكم يستحق الفرح؟
بعد شهرٍ من التهذيب الخفي، لا يعود الإنسان كما كان. شيءٌ في الداخل يُعاد ترتيبه، لا على مهل، بل تحت ضغط الحاجة إلى النجاة. نتخفّف من فائض الرغبة، ونكتشف أنّ الجوع لم يكن يومًا جوع الجسد فقط، بل جوع المعنى أيضًا. وحين ينقضي الشهر، نظنّ أنّنا خرجنا أكثر صفاءً—لكنّ العالم في الخارج لا ينتظر صفاءنا، بل يختبره.
في غير مدينةٍ عربية، لم يعد صباح العيد يشبه نفسه. هناك بيوتٌ ناقصة، وأسماءٌ غائبة على موائد الفرح، وأمهاتٌ يخبزن الحنين بدل الكعك. هناك أطفالٌ يكبرون أسرع مما ينبغي، لأنّ الطفولة نفسها باتت ترفًا مؤجّلًا. ومع ذلك—وهنا تكمن المفارقة التي لا تُفسَّر—يصرّ الناس على الفرح. لا لأنّ الواقع يسمح، بل لأنّ الاستسلام خيانةٌ أخلاقية لفكرة الحياة.
عيد الفطر، في جوهره العميق، ليس مناسبةً للبهجة فقط، بل هو فعلُ مقاومةٍ صامتة. أن تبتسم في وجه هذا العالم، أن تُسامح رغم كل ما كُسر فيك، أن تفتح نافذةً للضوء في زمنٍ يراكم العتمة—ذلك كلّه ليس ضعفًا، بل شجاعةٌ نادرة. العيد ليس ما نعيشه، بل ما نقرّر أن نحافظ عليه داخلنا، رغم كل ما يحدث.
في هذا الزمن العربي المثقل، تتغيّر معاني الانتصار. لم يعد النصر حدثًا صاخبًا، بل تفصيلًا صغيرًا:
أن تجتمع عائلة، هذا انتصار.
أن ينجو قلبٌ من القسوة، هذا انتصار.
أن يضحك طفلٌ دون خوف، فهذا انتصارٌ كامل.
لعلّ العيد يأتي كلّ عام ليذكّرنا بأنّ الإنسان ليس كائنًا هشًّا كما يبدو، بل كائنٌ قادر على إعادة اختراع الأمل، حتى وهو يقف على حافة الانكسار. وأنّ الرحمة، في زمنٍ كهذا، ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورةٌ وجودية، تحفظ ما تبقّى من ملامحنا البشرية.
أيّها العيد، إن جئتَ هذه المرّة، فكن أكثر من طقسٍ عابر. كن اختبارًا لما تبقّى فينا من إنسان. وسّع قلوبنا بما يكفي لاحتواء هذا العالم، وخفّف عن أرواحنا وطأة ما لا يُحتمل. وامنحنا تلك القدرة النادرة على أن نرى الضوء، لا لأنّه واضح، بل لأنّنا نصرّ على جوده.
كل عام وأنتم بخير…
لا لأنّ العالم بخير، بل لأنكم ما زلتم تحاولون أن تجعلوه كذلك.
:::
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر