منبر العراق الحر :….تمهيد:
لم يعد ممكناً مقاربة السلوك الإيراني الراهن بوصفه سلسلة ردود أفعال ظرفية، بل بات يستوجب قراءة بنيوية عميقة ضمن إطار جيوسياسي مركّب، تتداخل فيه العقيدة مع الأمن، والاستراتيجية مع الأيديولوجيا. فمنذ قيام الجمهورية الإيرانية، تشكّل تصور خاص للدولة يتجاوز حدودها الجغرافية، ويعيد تعريف الأمن القومي بوصفه ممتدًا خارج الحدود، وهو ما عبّر عنه المرشد الإيراني علي خامنئي حين قال إن “أمن إيران يبدأ من خارج حدودها”. هذا التصور، الذي بدا في لحظة ما مصدر قوة، يتحول اليوم — تحت ضغط الوقائع — إلى عبء استراتيجي يكشف حدود المشروع أكثر مما يثبت فعاليته.
من العدو المُعلن إلى الجوار الخليجي…
في سياق الحرب الدائرة اليوم، يتكشّف تحوّل جوهري في توظيف القوة الإيرانية: فبدل أن تبقى موجّهة نحو العدو المُعلن، أخذت تنزاح—عمليًا—نحو المجال الخليجي، حيث تتكثف أنماط الضغط عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف البنية الحيوية.
تشير تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن كثافة الهجمات المرتبطة بإيران في محيطها الخليجي تفوق، بعدة أضعاف، ما وُجّه فعليًا نحو إسرائيل، سواء من حيث عدد الضربات أو استمراريتها. وقد طالت هذه الهجمات منشآت طاقة ومطارات وبنى تحتية حساسة، في نمط يتجاوز الرسائل التكتيكية إلى إعادة صياغة معادلات الأمن الإقليمي بالقوة.
الأكثر دلالة أن دول الخليج العربي المستهدفة لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب، بل تبنّت—في مجملها—مقاربات حذرة تميل إلى التهدئة، وسعت في بعض الحالات إلى لعب أدوار وساطة لتفادي التصعيد. ومع ذلك، وجدت نفسها ضمن نطاق الاستهداف.
هذا التحول يطرح إشكالية بنيوية: لم يعد الردع موجّهًا إلى الخصم بقدر ما أصبح أداة ضغط على الجوار، بما يعيد تعريف الحياد قسرًا، ويحوّل المجال الخليجي إلى ساحة اختبار للقوة.
قانونيًا، يشكّل هذا السلوك خرقًا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، كما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما في استهداف المنشآت المدنية. وقد أشارت تقارير أممية وهيومن رايتس ووتش إلى أن بعض هذه الهجمات قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة.
تكشف هذه الحرب أن إيران، على امتداد سبعةٍ وأربعين عامًا من التمترس والتعبئة، راكمت قوتها في اتجاهٍ مغاير لما أُعلن، حتى بات المجال الإقليمي الأقرب هو الحقل الفعلي لاختبارها، خلافًا للسردية التي صاغتها حول صراعها مع إسرائيل.
من سردية التحرير الى هندسة الاخضاع ..
لم يعد ما يُسمّى «محور المقاومة » المتبنى من النظام الايران
توصيفًا دقيقًا لوظيفة هذه الشبكة، بقدر ما هو غطاءٌ رمزي لبنية نفوذ مسلّح عابر للدول، شيّدها الحرس الثوري—ولا سيما «فيلق القدس»—عبر عقود من التمويل والتسليح والتدريب. الاختبار الميداني أسقط البلاغة الأيديولوجية: ففي العراق، وثّقت منظمة العفو الدولية منذ 2014 انتهاكات جسيمة—إعدامات خارج القانون، اختفاءات قسرية، وتعذيب—تورطت فيها فصائل مرتبطة بإيران، مع بقاء 643 مختطفًا من الصقلاوية (2016) في عداد المفقودين. كما سجلت الأمم المتحدة مقتل 487 متظاهرًا وإصابة 7,715 خلال احتجاجات 2019–2020، في سياق تآكل احتكار الدولة للسلاح.
وفي سوريا، حيث انخرط حزب الله منذ 2013، كشفت رويترز استثمارات إيرانية بمليارات الدولارات لترسيخ النفوذ، بينما وثّق مكتب الأمم المتحدة مقتل 306,887 مدنيًا بين 2011 و2021، مع توصيف العفو الدولية لبعض ممارسات النظام—المدعوم إيرانيًا—كجرائم ضد الإنسانية، ما يشير إلى دور حاسم في إطالة أمد الحرب وتعظيم كلفتها.
أما في لبنان، فقد تحوّل حزب الله—بحسب مجلس العلاقات الخارجية—إلى النموذج الأكثر اكتمالًا لهذه البنية، مدعومًا إيرانيًا، مع سجل موثق من هيومن رايتس ووتش لاستخدام الصواريخ العشوائية (2006)، وتداعيات أحدث شملت أكثر من 800 قتيل ونزوح 800 ألف، وفق رويترز، في ظل أزمة احتكار السلاح.
وفي اليمن، أقرّت تقارير أممية (2024) بدور إيران وحزب الله في تمكين الحوثيين، الذين نفذوا هجمات صاروخية على أهداف مدنية، بينها مطارا الرياض (2017) وأبها (2019)، فيما تجاوز عدد النازحين 4.5–4.8 ملايين، وفق مجلس الأمن. أن «المحور المزعوم » لم يُنتج توازنًا إقليميًا، بل أعاد هندسة الهشاشة داخل الدول، وكرّس السلاح الموازي، ونقل كلفة الصراع إلى المجتمعات نفسها؛ فبدل أن يكون أداة تحرير، أصبح—في كثير من تجلياته—آلية إخضاع سيادي مموّهة بشعار المقاومة.
انكشاف الخطاب وحدود المشروع…
في ذروة هذا المشهد، يتكشّف التناقض في الخطاب السياسي، كما ظهر في تصريحات علي لاريجاني الذي تساءل: “نحن نقاتل وحدنا… فأين العالم الإسلامي؟”. هذا السؤال، رغم طابعه العاطفي، يفتح باباً لتحليل أعمق: هل يمكن لمشروع قائم على التمدد والقتل أن يطلب التضامن في لحظة انكسار داخل المواجهة؟
إن استدعاء نظام ايران لمفهوم “الأمة الاسلامية ” في سياق صراع تشكّلت ملامحه عبر تدخلات ممتدة، يكشف فجوة بين الخطاب والواقع. فالتاريخ القريب يحمل شواهد معقّدة: من التداخل في العراق بعد 2003، إلى الدور في سوريا، إلى امتدادات الصراع في اليمن ولبنان.
وعليه، فإن الإشكالية لم تعد في سؤال “من يقف مع من”، بل في طبيعة المشروع ذاته: هل هو مشروع توازن إقليمي، أم مشروع هيمنة ممتدة؟ وهل يمكن لهذا المشروع أن يستمر في بيئة تتزايد فيها كلفة التمدد، وتتقلص فيها هوامش المناورة؟
الخاتمة
حين تتجاوز الاستراتيجية حدودها، تتحول من أداة توسع إلى عامل ارتداد. وحين يتناقض الخطاب مع الوقائع، لا يسقط الخطاب وحده… بل يُعاد طرح السؤال الأكبر: هل نحن أمام مشروع بلغ أقصى مداه وبدأ بالانحسار؟
وهل تمثل اللحظة الراهنة بداية إعادة تشكيل النظام الإقليمي بعيداً عن نموذج “المحاور الايرانية ”؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر