*حين تُغتال البراغماتية…قراءة في اغتيال لاريجاني* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
في الحروب الكبرى، لا تُقاس الضربات بضجيج الانفجار، بل بما تُحدثه من تغيير في مسارات القرار. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة اغتيال علي لاريجاني، وفق الرواية المتداولة كعملية أمنية معزولة، بل كحلقة ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل توازنات الصراع وهندسة اتجاهاته.
التقرير المنسوب إلى “أكسيوس” يفتح باباً على فرضية شديدة الحساسية: أن الرجل لم يكن مجرد مسؤول ضمن البنية الأمنية، بل نقطة التقاء بين منطق الحرب وإمكانات السياسة، أو ما يمكن تسميته بـ”قناة التهدئة الممكنة”. وجوده لم يكن يوقف الصراع، لكنه كان يمنحه سقفاً، ويُبقي باب الخروج السياسي موارباً. وهنا يتجاوز الحدث حدوده المباشرة، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل كان المستهدف شخصاً بعينه… أم المسار الذي كان يمثّله؟
*أولاً: لاريجاني بنية سياسية داخل النظام*
داخل الأنظمة المركّبة مثل إيران، لا يُقاس وزن الشخص بمنصبه الرسمي فقط، بل بدوره داخل شبكة القرار. ولاريجاني، تاريخياً، كان يمثل تياراً يمكن وصفه بـ: براغماتي، لا أيديولوجي صرف، وقادر على التفاوض دون كسر ثوابت النظام، ومقبول نسبياً في القنوات الخلفية الدولية هذا النوع من الشخصيات يلعب دور “المحوّل” يحافظ على تماسك الداخل، ويفتح نوافذ للخارج. بمعنى آخر: وجوده لا يمنع الحرب… لكنه يمنع أن تصبح الحرب بلا سقف.
*ثانياً: الاغتيال كأداة لإغلاق المسارات السياسية*
إذا صحّت فرضية استهدافه بسبب هذا الدور، فنحن أمام نمط معروف في الصراعات، تصفية الوسطاء لفرض منطق الصدام الكامل. ودفع إيران نحو خيار أكثر راديكالية، هذه الاستراتيجية تقوم على ثلاث نتائج مباشرة:
1. إزالة القناة الخلفية: لا يعود هناك من يستطيع تمرير رسائل تهدئة، وكل الإشارات تصبح عسكرية فقط.
2. إعادة تشكيل النخبة الحاكمة: صعود التيارات الأكثر تشدداً، وتراجع البراغماتيين بحكم “تكلفة الظهور”.
3. تحويل التفاوض إلى ضعف: أي دعوة للحوار تُقرأ كخيانة داخلية، فيُغلق المجال السياسي ذاتياً. وهنا تتحول الحرب من خيار إلى مسار إجباري.
*ثالثاً: هل هناك تباين أمريكي – إسرائيلي فعلاً؟*
الطرح الذي يشير إلى وجود اختلاف بين واشنطن وتل أبيب ليس جديداً، لكنه معقّد. يمكن تبسيطه كالتالي: الولايات المتحدة تميل تقليدياً إلى احتواء الخصم، وإدارة الصراع بأقل تكلفة ممكنة. أما إسرائيل تميل إلى تحييد التهديد جذرياً، وتقليل المخاطر الوجودية حتى لو كلف ذلك تصعيداً واسعاً.
فاغتيال شخصية مثل الدكتور علي لاريجاني رجل سياسي ومفكر، قادر على التفاوض، ولكن باغتياله قد يؤدي إلى تضييق خيارات واشنطن الدبلوماسية، ودفعها نحو التماهي مع المسار العسكري. أو على الأقل فقدان الشريك العقلاني القابل للتفاوض داخل إيران، لكن هذا لا يعني بالضرورة وجود صراع مباشر بين الطرف الأمريكي والاسرائيلي، بل اختلاف في سقف الأهداف وأدوات التنفيذ.
*رابعاً: هل تؤثر الاغتيالات فعلاً على صمود الدول؟*
ومن هنا نصل إلى جوهر المسألة حين لا يعود الاغتيال مجرد حدث أمني، بل أداة تكشف طبيعة الدول وبنيتها العميقة. فالتجربة التاريخية في إيران وغيرها تشير إلى أن الأنظمة العقائدية لا تنهار باغتيال قادتها، بل غالباً ما تزداد تماسكاً وصلابة. السبب لا يتعلق بالأفراد، بل ببنية قائمة على تعدد المراكز والبدائل، حيث لا يخلق غياب القائد فراغاً، بل يسرّع إعادة إنتاج القيادة.
في هذا السياق، يتحول القائد المغتال إلى رمز تعبوي، والرموز في البيئات المؤدلجة لا يهدّئ الصراع بل يؤججه، وتمنح شرعية إضافية للتصعيد. ومن هنا تنشأ المفارقة: الاغتيال قد يحقق نجاحاً تكتيكياً، لكنه يفتح الباب أمام تصعيد استراتيجي أشد. فمع غياب الشخصيات الأكثر توازناً، تتقدم قيادات أكثر تشدداً، أقل ميلاً للتسويات وأكثر استعداداً للمخاطرة.
لذلك، لا يُقاس أثر الاغتيال بنتيجته المباشرة، بل بما يحدثه في بنية القرار وتوازن القوى وفرص التسوية. وقد لا يكون استهداف القادة ضربة لدولة بقدر ما هو إغلاق لمسار التهدئة نفسه. ومع ذلك، يثبت التاريخ أن الدول ذات العمق العقائدي لا تنكسر، بل تعيد تشكيل نفسها بصورة أكثر صلابة، وهنا تتجلى الخطورة الحقيقية ليس في لحظة الاغتيال بحد ذاتها، بل في العالم الذي يتشكل بعدها. عالم أكثر قسوة، وأضيق أفقاً للحلول، وأقرب إلى منطق المواجهة المفتوحة.

اترك رد