منبر العراق الحر :
لماذا، بعد كل هذا النزف، ما زلنا نُصرّ على الطريق ذاته؟
لماذا نُعيد إنتاج الكراهية بأسماء جديدة، وأعلام مختلفة، وألوان أخرى، بينما الجوهر واحد: إنسان يُنهك إنسانًا؟
تعبت الروح… نعم.
تعبت من الصراعات التي لا تُنهي صراعًا، ومن الدم الذي لا يبني وطنًا، ومن الاحتيال الذي يتزيّا بثياب الذكاء، ومن القتل الذي يُقدَّم على أنه “ضرورة”. تعبنا من الانقسام بين من نكون ومن يُراد لنا أن نكون. من حروب الهوية، ومن تجارة الخوف، ومن سياسة الإلهاء التي تُشعل نارًا هنا لتُخفي حريقًا هناك.
أسأل نفسي — وأسألكم:
لماذا هذه الكراهية؟
لماذا نُخاصم المختلف بدل أن نفهمه؟
لماذا يصبح اللون واللغة والجغرافيا حُججًا للعنف، لا أسبابًا للغنى الإنساني؟
ومن قال إن النجاة تكون بإقصاء الآخر؟
أنظر إلى شعوبٍ تتقاتل لأن الخريطة تغيّرت، أو لأن التاريخ كُتب بيد المنتصر، أو لأن ذاكرة الألم لم تُعالَج بل وُرِّثت. توقّفتُ لحظة وقلت: ماذا كانت نهاية من ساروا في هذا الدرب؟ أين هم اليوم؟ وماذا بقي لأحفادهم غير روايات خسارة، ونُصب حداد، وحكايات عن “حقّ” لم يعد يعرف أحد ملامحه؟
نأتي من أديانٍ سماوية تُنادينا — كلّها — بالحبّ والسلام، بالعدل والرحمة، بالكرامة والطمأنينة. ومع ذلك، لا أرى السلام حاضرًا، لا شرقًا ولا غربًا. الخصوصية انتهكت، والضمير استُهلك، واللغة صارت رصاصة. كل شيء يُستعمل… حتى الإنسان.
فلماذا إذن؟
لماذا بعد؟
لأننا — ربما — لم نُصالح أنفسنا بعد.
لأننا لم نعترف بأن الخوف إذا لم يُعالَج يتحوّل إلى عدوان، وأن الجهل إذا لم يُعلَّم يصير تعصّبًا، وأن الألم إذا لم يُحتوَ يتحوّل إلى كراهية عمياء.
لأننا نبحث عن المعنى خارجنا، بينما يبدأ السلام من الداخل. من شجاعة الاعتراف، لا من صخب الادّعاء.
السؤال الحقيقي ليس: من على حق؟
بل: كيف نمنع الباطل من أن يكون الثمن؟
ليس: من انتصر؟
بل: من بقي إنسانًا؟
هل نريد لأبنائنا أن يرثوا عالمًا مُفخّخًا بالخوف؟
أم حياةً قابلة للعيش، تُعلّمهم أن الاختلاف لا يُقصي، وأن العدالة لا تُساوِم، وأن الخير — حين يُتمنّى للآخر — يعود مضاعفًا؟
ربما آن الأوان.
آن الأوان لنقول: كفى.
كفى دمًا، كفى صراخًا، كفى تزييفًا للحقائق.
آن الأوان لمصالحة صادقة مع الذات، ومع الآخر، ومع التاريخ. لا نحتاج معجزات؛ نحتاج ضميرًا حيًّا، وسياسة أخلاق، وتربية لا تُكافئ الكراهية.
أنا متعبة… نعم.
لكنّي ما زلت أؤمن أن التعب قد يكون بداية الوعي.
وأن السؤال — حين يكون صادقًا — أول طريق الجواب…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر