منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
الشرق الأوسط لا يمرّ بأزمة سياسية، بل يعيش لحظة تاريخية انتقالية ثقيلة، لحظة تتفكك فيها بنية النظام الإقليمي القديم بينما لم تتشكل بعد قواعد النظام الجديد. في مثل هذه اللحظات لا يكون الخطر في الحرب وحدها، بل في الفراغ الذي تتركه حالة الصراع. فراغ المعنى، وفراغ القوة الضابطة، وفراغ المرجعيات. هنا تحديداً، تبدأ المشاريع الكبرى بالظهور، لا بوصفها خططاً مكتملة، بل محاولات لملئ الفراغ قبل أن يملأه الآخرون.
في قلب هذه اللحظة يقف دونالد ترامب، لا كشخصية استثنائية فحسب، بل كتعبير مكثّف عن تحوّل عميق داخل الولايات المتحدة نفسها. فالرجل لا يقود السياسة الأمريكية بقدر ما يكشف عن انتقالها من مرحلة قيادة النظام الدولي إلى مرحلة إدارة المصالح الصرفة. لم تعد واشنطن ترى نفسها وصيّة على الاستقرار العالمي، بل شريكاً ثقيلاً يطالب بثمن الحماية، ويتعامل مع الحلفاء باعتبارهم أطرافاً تعاقدية لا ركيزة استراتيجية. أوروبا تُبتز، والخليج يُساوم، والحلفاء يُختبرون، والشرعية الدولية تُعامل كترف يمكن تجاوزه. هذه ليست فوضى شخصية، بل انعكاس لتحول أمريكي من منطق إدارة النظام إلى منطق إدارة الصفقات.
*إيران في معادلة الردع غير المكتمل*
في هذا الإطار، التصعيد المستمر تجاه إيران يُفهم من زاوية مختلفة. فالمسألة لا تتعلق بقدرة تنفيذ ضربة عسكرية بقدر ما تتعلق بمدى جاهزية المشهد لما بعدها. الإشكالية ليست في العمل العسكري ذاته، بل في الفراغ السياسي الذي قد يليه. فأي هجوم لا يُحدث تحولاً بنيوياً داخل النظام الإيراني قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يعزز التماسك الداخلي بدلاً من إضعافه، ويفتح الخليج على احتمالات اضطراب واسع، ويضع الوجود العسكري الأمريكي في دائرة الضغط، ويهز أسواق الطاقة، ويمنح موسكو وبكين هامش استفادة استراتيجي. وعليه، فإن ضربة لا تقود إلى تغيير حقيقي قد تتحول إلى خسارة سياسية لواشنطن. لذلك يستمر التهديد في مستوى الخطاب والردع، بينما يظل التنفيذ مؤجلاً، لأن جوهر المعادلة سياسي في المقام الأول، لا عسكري.
*غزة هدنة بلا تسوية*
تشكل غزة حالة كاشفة للفارق بين إدارة الأزمة وإنهائها. فإعلان وقف إطلاق النار لا يطوي صفحة الحرب، بل يضعها في حالة تعليق مؤقت. إسرائيل لا تتعامل مع التطورات باعتبارها مدخلاً لتسوية سياسية، بل كجزء من مسار أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل البنية الديموغرافية والسياسية للقطاع. في المقابل، تفضّل الولايات المتحدة خفض مستوى التوتر بما يخفف الضغوط، من دون الانخراط في كلفة حل شامل ومعقّد. أما ملف الإعمار، فيصطدم بعقبتين متداخلتين: التمويل ومن سيتولى الحكم. من يوفر المليارات المطلوبة؟ ومن يدير غزة؟ حماس حاضرة كقوة فعلية على الأرض، إسرائيل ترفض التعامل معها، السلطة الفلسطينية تفتقر إلى القدرة، ومقترح القوات الدولية لا يزال فكرة بلا هيكل. نتيجة ذلك، يتحول (السلام) إلى هدنة مفتوحة، ويتراجع الإعمار ويتحول إلى شعار سياسي، ومن خطة قابلة للتنفيذ إلى عنوان سياسي فضفاض.
في هذا المناخ تظهر فكرة (مجالس السلام) كأنها محاولة لصناعة غطاء مؤسسي لفراغ سياسي. لكن السلام لا يولد من المؤسسات إذا لم يكن هناك توازن قوى يسمح له بالبقاء. أي مجلس بلا شرعية دولية حقيقية، بلا تمويل، بلا قدرة تنفيذ، وبلا قبول من الأطراف المتصارعة، يتحول إلى منصة خطاب لا أداة حل. السلام في التاريخ لم تصنعه الهياكل بل التوازنات؛ إرادة المنتصر، ضمانات المهزوم، ورعاية دولية مستقرة. وهذه العناصر غائبة في اللحظة الراهنة.
في المقابل، شهدت إسرائيل تحولاً أعمق من مجرد إدارة صراع. فهي تنتقل من عقيدة الأمن الدفاعي إلى عقيدة الهيمنة الإقليمية. الضربات في سوريا، والتدمير في غزة، والضغط في لبنان، والتمدد في المتوسط، والانفتاح على الهند وإفريقيا، كلها تشير إلى تصور يرى أن اللحظة الدولية المضطربة فرصة لإعادة صياغة البيئة الإقليمية بالقوة. لكن الهيمنة العسكرية لا تضمن استقراراً سياسياً؛ فهي توسع دوائر الردع بقدر ما توسع دوائر العداء.
*أوروبا في زمن الشك الاستراتيجي*
في الخلفية يتبلور تحول أوروبي أعمق من مجرد تباينات ظرفية مع واشنطن؛ إذ بدأت القارة تدرك أن المظلة الأمنية الأمريكية، التي شكّلت ركيزة النظام الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تعد ضمانة تلقائية كما كانت. حرب أوكرانيا كشفت حدود القدرة الغربية على الحسم السريع، وأظهرت حجم الاعتماد الأوروبي على الطاقة والأسواق الخارجية، فيما عمّقت أزمات الإمدادات والتضخم هشاشة الداخل الاقتصادي. إلى ذلك، أضافت التوترات السياسية والخطاب الأمريكي المتقلّب شعوراً أوروبياً متزايداً بأن الشراكة الأطلسية لم تعد علاقة قيادة مستقرة، بل علاقة قابلة لإعادة التفاوض في أي لحظة.
هذا الإدراك دفع عدداً من العواصم الكبرى إلى مراجعات استراتيجية متدرجة: ألمانيا تكسر قيودها التاريخية في الإنفاق العسكري، فرنسا تعيد طرح مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية”، ودول أخرى تبحث عن هوامش مناورة أوسع في ملفات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. النتيجة ليست قطيعة مع الولايات المتحدة، بل بداية مسار أوروبي نحو تقليل الاعتماد الأحادي وبناء قدرة ذاتية نسبية. بذلك، لم يعد المعسكر الغربي كتلة متماسكة كما في السابق، بل فضاء تحالف يعاد تعريف أدواره وتوازناته في ضوء نظام دولي يتغير.
*شرق أوسط يُعاد تشكيله بلا توازن*
تبدو المنطقة العربية وسط هذا المشهد، هي الحلقة الأضعف لا لافتقارها إلى الموارد، بل لغياب مشروع إقليمي جامع. الدول تدير أزماتها، لكنها لا تبني نظاماً. تتفاعل مع الضغوط، لكنها لا تصنع قواعد اللعبة. في بيئة كهذه تتحول الجغرافيا العربية إلى ساحة صراع الآخرين، وخط إمداد لحروبهم، ومسرح اختبار لاستراتيجياتهم.
لهذا، فإن الاتجاه العام لا يشير إلى تسوية كبرى ولا إلى حرب شاملة، بل إلى مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، صراعات متقطعة، وحروب ظل، وضغط على الدول الهشة، وصعود محاور إقليمية تحاول ملئ الفراغ الأمني. المظلة الدولية تتراجع، والتوازن الجديد لم يتشكل، والفراغ يولّد التوتر باستمرار.
نحن أمام لحظة وصفها غرامشي بدقة قبل قرن: القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر الوحوش. ترامب ليس صانع سلام، بل مدير مرحلة انتقالية مضطربة. وإسرائيل ليست في لحظة استقرار، بل في لحظة توسع محفوفة بالمخاطر. وإيران رغم التحديات والاختناقات السياسية والأزمات الأمنية، إلا أنها متماسكة وليست منهارة، أما المنطقة فهي لم تحسم بعد إن كانت ستبقى ساحة أم ستصبح فاعلاً. والسلام لن يولد من مجلس صفقات، بل من توازن. والتوازن لم يتشكل بعد.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر