منبر العراق الحر :. قراءة نفسية–اجتماعية–سياسية في علاقة الشيعة بالسلطة وبذواتهم…
..مقدمة
لا ريب أنّ الشيعة، منذ واقعة السقيفة، بلوروا موقفًا نقديًا معارضًا تجاه معظم السلطات والدول التي تأسست على المرجعيات والمذاهب السنية، واستمر هذا الموقف بوصفه خيارًا سياسيًا–عَقَديًا إلى يومنا هذا.
فقد تشكّلت الهوية الشيعية تاريخيًا في سياق الصراع مع السلطة، لا بوصفها تيارًا فقهيًا فحسب، بل كحركة احتجاج أخلاقي واجتماعي على ما عُدَّ اغتصابًا للشرعية وإقصاءً لأهل البيت… ؛ ومن ثمّ يصبح من المتعذّر، بل من سابع المستحيلات، أن يتصالح الوجدان الشيعي مع حكمٍ يترضّى على معاوية أو يزيد، أو يُمجِّد عمرو بن العاص ومروان بن الحكم، أو يجعل من زياد بن أبيه والحجاج وبُسر بن أرطأة رموزًا تاريخية يُحتفى بها؛ إذ إن الذاكرة الشيعية ترى في هؤلاء تجسيدًا لمنظومة القهر السياسي والانحراف عن العدالة، وهو ما كرّس تقليدًا طويلًا من المعارضة، وجعل “مقارعة السلطة” جزءًا بنيويًا من الوعي الشيعي عبر التاريخ.
ولكن الطامة الكبرى ان هذا السلوك المتوارث لم يقتصر على الحاكم السني بل شمل الحاكم الشيعي الذي ينادي بنفس الشعارات ويؤدي ذات الطقوس والشعائر الشيعية …!!
فمن يراقب المشهد السياسي العراقي، ولا سيما منذ انتقال الحكم إلى الأغلبية الشيعية أو بالأحرى مشاركة الشيعة مشاركة فعلية في الحكم المقيد والمهدد ، يلاحظ مفارقة لافتة: الحاكم الشيعي غالبًا ما يكون الأكثر عزلة داخل بيئته، والأقل حظًا في التأييد الشعبي من أبناء طائفته نفسها، حتى عندما يحاول الإنصاف، أو تحسين الواقع الخدمي، أو توسيع هامش الحريات (1)…!!
نعم , تشكل العلاقة بين الحاكم والمحكومين مجالاً خصباً للتحليل السوسيولوجي والسياسي، خاصة في المجتمعات المُتنوعة طائفياً… ؛ اذ تبرز في بعض السياقات ظاهرة ملفتة: افتقاد الحاكم الشيعي، في بيئة ذات أغلبية شيعية، لقاعدة شعبية واسعة حتى من داخل طائفته، في حين قد يحظى الحاكم السني بتأييد أوسع من داخل جماعته حتى في ظل ممارسات استبدادية… ؛ و تتعقّد هذه الظاهرة بمواقف النخب الدينية من الطائفتين، وبعض السلوكيات النفسية-الاجتماعية داخل المجتمع الشيعي نفسه… ؛ وانا اسعى في هذه المقالة إلى تشريح هذه الإشكالية من خلال عدسة تحليلية تجمع بين العوامل النفسية، والاجتماعية، والسياسية.
فهذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها سياسيًا فقط، بل تحتاج إلى قراءة أعمق في البنية النفسية والاجتماعية والثقافية التي تشكّلت عبر عقود طويلة بل قرون من القهر والتهميش والاستبداد.
**أزمة القاعدة الشعبية للحاكم الشيعي و إشكالية الشرعية والطائفية في السلطة
الحاكم الشيعي، بخلاف نظرائه من الطوائف الأخرى، نادرًا ما يمتلك قاعدة جماهيرية صلبة من أبناء مذهبه… ؛ بل غالبًا ما يكون أول من يُهاجَم , بل ومن اقرب الناس احيانا .
حتى لو أنصف جمهوره، وخدم مناطقه، واحترم كرامتهم، يبقى محل تشكيك دائم، وكأن القاعدة غير مستعدة لمنحه شرعية معنوية مستقرة…!!
وفي المقابل، نلاحظ أن الحاكم السني — تاريخيًا — كان يحظى بتأييد شبه كامل من أبناء طائفته، حتى في أحلك فترات القمع والاضطهاد والجور والظلم … ؛ فالمهم لديهم أن الحاكم “منهم”، أما الأداء فيأتي لاحقًا…!!
هذه المفارقة تكشف اختلافًا جذريًا في مفهوم الجماعة للسلطة والهوية , وتعريف العدالة .
نعم , يواجه الحاكم الشيعي، في نماذج معينة، معضلة مزدوجة: ضعف التأييد الجماهيري من قاعدته الطائفية الطبيعية من جهة، ورفضٌ متصلّب غالباً من أبناء الطائفة الأخرى (السنة) من جهة ثانية، حتى لو قدم خدمات جليلة للجميع… ؛ و يبدو هذا الرفض أحياناً متجذراً في هويات طائفية صلبة تضع انتماء الحاكم فوق أدائه… ؛ بالمقابل، قد يحافظ الحاكم السني، في سياقات أخرى، على شرعية طائفية عريضة تُقدّم انتماءه كضامن للولاء، حتى مع تراجع مقاييس الحكم الرشيد… ؛و هذا التفاوت يُلقي الضوء على دور العامل الطائفي كإطار مرجعي قوي، وأحياناً حاسم، في تقييم الشرعية، متجاوزاً معايير الكفاءة والإنصاف كما اسلفنا .
**الدين والسياسة/ الفقه السياسي والانتهازية الدينية / توظيف الخطاب وتبدل المواقف
تظهر ثنائية مثيرة في موقف النخب الدينية من فقه الطاعة… ؛ فبينما يُستحضر خطاب (طاعة ولي الأمر ظالماً أو مظلوماً) تاريخياً لدعم استقرار الأنظمة الحاكمة السنية، يُلاحظ تراجع هذا الخطاب أو تفسيره بشكل مختلف عندما ينتقل الحكم لشخصية شيعية في نظام ديمقراطي… ؛ و هذا التحول يُشير إلى الطبيعة الوظيفية والسياقية للخطاب الديني، الذي يمكن توظيفه لتعزيز الاستقرار السياسي أو تقويضه وفقاً للمصلحة المتصورة للجماعة… ؛ وهو ما يُظهر جانباً من “ذكاء” السياسة حيث تُساند النخبُ الحاكمَ مقابل ضمان مصالحها، من مناصب ومكاسب مادية وتعليمية لأبنائها.
ففي التجربة السنية، ترسّخت عبر قرون فتاوى من قبيل: “طاعة ولي الأمر ظالمًا أو مظلومًا”، وحرمة الخروج عليه… ؛ وقد استُخدمت هذه النصوص تاريخيًا لتثبيت الأنظمة القائمة وتعزيز شرعيتها.
لكن اللافت أن هذه الفتاوى خفت صوتها حين أصبح الحاكم شيعيًا منتخبًا ديمقراطيًا، ما يكشف أن كثيرًا من الخطاب الديني السياسي لم يكن مبدئيًا بقدر ما كان أداة وظيفية لخدمة السلطة السنية القائمة.
في المقابل، نجد أن جزءًا من رجال الدين الشيعة — رغم كونهم من أكثر المستفيدين من الحكم الشيعي من حيث الأمان والحرية والمكانة الاقتصادية — هم من أكثر المنتقدين للحاكم السياسي الشيعي، في مفارقة يصعب تفسيرها إلا بوصفها مزيجًا من السذاجة السياسية، أو النزعة العدائية الداخلية، أو الحنين اللاواعي إلى أدوار سابقة في زمن القمع والتهميش والاقصاء …!!
**النخب الدينية والعلمانية والمهنية والسياسية والاعلامية الشيعية: بين الامتياز والنقد
على الطرف الآخر، رغم أن رجال الدين الشيعة والشخصيات العامة الشيعة والموظفين والمسؤولين والاعلاميين … الخ ؛ أصبحوا من المستفيدين الرئيسيين في ظل حكومات هيمن عليها الشيعة، حيث تحسنت أوضاعهم المادية بشكل ملحوظ وضمنوا حريات واسعة وأمناً على وجودهم بعد عقود من التهديد، إلا أن الكثيرين منهم لا يزالون ناقمين على الحاكم السياسي الشيعي… ؛ و هذا الموقف قد يُفسّر بسذاجة سياسية، أو بحنين إلى أدوار سابقة في أجهزة الدولة القمعية السابقة حيث كان لهم نفوذٌ ومكانة، أو ربما بتطلعات سياسية أعلى لم تُتحقق، أو حتى بنوع من “اللؤم” الناشئ عن عدم الرضا الدائم رغم التحسن الواضح في الظروف…!!
ثالثًا: عقدة أبن العم والمرض الاجتماعي … حين يتحول القريب إلى خصم
يتطلب فهم العداء الداخلي جزءاً من الشيعة لحاكمهم الشيعي الغوص في أعماق نفسية واجتماعية معقدة:
اذ يمكن توصيف جانب من هذه الظاهرة بما يشبه “عقدة أبن العم ”: حسد الأخ لأخيه وأبن العم لابن عمه .
فكثيرون لا يطيقون أن يحكمهم شخص “من جلدتهم”… ؛ اذ تراهم يفضّلون الغريب ، حتى لو أهانهم، على القريب الذي ينصفهم… ؛ و هذه حالة نفسية عميقة، قوامها الغيرة والدونية ورفض الاعتراف بنجاح الآخر.
ولعل أمثال هؤلاء تنطبق عليهم المقولة الشهيرة : “عجبت لقوم إذا أكرمتهم احتقروك، وإذا أهنتهم أكرموك.”
نعم , يشير التحليل الاجتماعي إلى وجود نمط “يعيش في اجواء عقدة أبن العم والاقارب” لدى شريحة، حيث يسود الحسد والغيرة من نجاح شخص من ذات الجماعة، فيُفضلون حاكماً من خارج “الجلدة” حتى لو كان ظالماً، على حاكم منهم ينصفهم… ؛ و هذه “الدونية” الموروثة … ؛ تذكرنا بالامثال الشعبية التي تعكس هذه الظاهرة : (( لا تحجي بديوان وابن عمك موجود )) و (( الاقارب عقارب )) و (( الحمه تجي من الرجلين )) وغيرها كثير .
**التبعية للإعلام المعادي والتهريج والتفاهة الجماعية
جزء معتبر من هذا العداء يُغذّى عبر إعلام موجّه يعتمد التهريج والتسقيط بدل النقد الموضوعي وكشف الحقائق والضغوط الدولية والاقليمية على ساسة الشيعة , ويتلقّى هذا الخطاب جمهور يبحث أصلًا عن الإثارة لا عن الحقيقة، لأن “الطيور على أشكالها تقع”.
فيتحول النقد إلى موجة استهلاكية، بلا تحليل ولا بدائل…!!
**الأمراض النفسية-الاجتماعية والرغبة في الفوضى
توجد شريحة من “غير الأسوياء” نفسياً واجتماعياً، لا دور لهم في الأوضاع المستقرة… ؛ اذ يستمدون أهميتهم من الأزمات والفوضى، فيبرزون كـ”أبطال” أو “قادة أزمة”… ؛ و هم ناقمون على الاستقرار لأنه يكشف فشلهم الشخصي ويُبرز نجاح من حولهم… ؛ و هؤلاء، في ظل النظام الديمقراطي، يُفرغون أحقادهم عبر معارضة الحكم، بينما في ظل النظام الدكتاتوري السابق، كانوا أداة قمع وتنكيل بالآخرين مقابل امتيازات تافهة، مما يفسر حنين بعضهم لتلك الحقبة.
نعم , هناك فئة لا تزدهر إلا في الفوضى… ؛ أفرادها يعانون فراغًا نفسيًا واجتماعيًا يجعلهم عاجزين عن النجاح في الظروف الطبيعية المستقرة.
هؤلاء لا يفرحون لتحسّن أوضاع الناس، ولا يحتملون رؤية محيطهم يتقدّم… ؛ لذلك يسعون دائمًا إلى تأجيج الأزمات، لأن الاضطراب يمنحهم دورًا: يصبحون “قادة”، أو “ناشطين”، أو واجهات مؤقتة للمشهد.
أما في الأوضاع الطبيعية، حيث يعمل الناس ويدرسون ويبنون حياتهم، فلا مكان لهم… ؛ لهذا تراهم أعداءً لأي استقرار، لأن الاستقرار يفضح خواءهم.
**من معارضة الديمقراطية إلى خدمة الدكتاتورية
المفارقة الأخطر أن هذه الفئة نفسها، التي تهاجم الحكم الديمقراطي ليل نهار، كانت — أو ستكون — أول من يخدم أي نظام قمعي إذا عاد.
ففي ظل الدكتاتورية، يتحول هؤلاء إلى أدوات تنكيل، وكتّاب تقارير، وجلادين صغار، لأن القمع يمنحهم سلطة بديلة عن فشلهم الشخصي.
التاريخ العراقي مليء بأمثلة من هذا النوع الدنيء: أشخاص فشلوا في بناء حياة طبيعية، فوجدوا خلاصهم في خدمة الطغيان والاجرام والارهاب .
**النقد كحيلة هروب من الفشل الشخصي والمشاكل الخاصة
ومن الملاحظ أيضًا أن كثيرًا ممن يبالغون في مهاجمة الحكومة والقادة والساسة برمتهم ومن دون تمييز؛ يوميًا يعانون في الأصل مشكلات أسرية أو اجتماعية أو نفسية… ؛ و النقد هنا ليس موقفًا سياسيًا، بل آلية هروب: بدل مواجهة أزمته الخاصة، يستبدلها بأزمة عامة يتحدث عنها باستمرار.
اللافت أن عددًا كبيرًا من هؤلاء يفشلون في إدارة أبسط شؤون حياتهم، بينما ينصّبون أنفسهم خبراء في إدارة الدولة.
نعم , يتحول النقد اليومي المبالغ فيه للحكومة لدى البعض إلى “حيلة هروب” أو “إبدال” لمشاكلهم الشخصية الحقيقية (كالطلاق أو المشاكل العائلية)… ؛ فبدلاً من مواجهة فشلهم في إدارة حياتهم الخاصة، يوجهون الطاقة نحو انتقاد إدارة الدولة، مستغلين مساحة الحرية المتاحة.
**خاتمة: نحو تشخيص ذاتي قبل إصلاح النظام
ليس الهدف من هذا التحليل الدفاع عن أي حكومة، ولا تبريرًا لأخطاء السلطة، فكل حكومة قابلة للنقد والمساءلة… ؛ بل تقديم تشريح لظواهر سلبية مُستفحلة… , ومحاولة لتشخيص أمراض نفسية واجتماعية متجذّرة في المجتمع، تظهر بوضوح في العلاقة المضطربة بين الشيعة والسلطة حين تكون منهم ؛ فالإشكالية الحقيقية تكمن في استعصاء الشرعية لدى الحاكم الشيعي، الناتج عن تداخل عوامل طائفية خارجية، وتوظيف سياسي للدين، وأمراض داخلية في النسيج الاجتماعي للطائفة نفسها، من حسد ودونية ورغبة لاواعية في التدمير… ؛ و الحل لا يبدأ بإصلاح العملية السياسية فحسب، بل بإصلاح الذات أولاً.
على الفرد أن يعيد النظر في دوافعه، ويعالج عقدَه النفسية، ويفرق بين النقد الموضوعي وبين تفريغ الإحباطات الشخصية… ؛ فقط بمواجهة هذه “العقد” المجتمعية يمكن بناء علاقة صحية بين المواطن والدولة، قائمة على المساءلة الحقيقية والولاء الوطني الذي يتجاوز الإنتماءات الطائفية الضيقة والرغبات التدميرية الكامنة.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إسقاط الحكومات فقط، بل من إصلاح الذات، ومن إعادة بناء الوعي الجمعي، ومن التحرر من الحسد والدونية وثقافة الفوضى.
فمن لا يستطيع إدارة نفسه، لن يستطيع إصلاح وطن.
………………………………….
1- مشكلة الحاكم الشيعي / اسماعيل الحسيني / بتصرف .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر