منبر العراق الحر :
حين بلغَ الحقُّ تمامَه، بكت بصيرةُ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه؛ أدرك بقلبه أنَّ القممَ لا تُسكنُ طويلاً، فما بعد التمامِ إلا النقصان. فإذا كان الحقُّ يدركه النقص بعد الكمال، فكيف بباطلٍ يتغطرسُ اليوم وقد بلغ ذروة الفجاجة؟
هذا كوكبٌ آيلٌ لسقوط، لا لاختلالٍ في مدارات الفيزياء، بل لأن ميزان الأخلاق قد انكسر. نحن نعيش في عالمٍ جُرِّب فيه كلُّ شيءٍ إلا الاستقامة، واستُهلكت فيه الشعاراتُ حتى غدت جثثاً هامدة، بينما يظلُّ الإنسانُ وحده من يدفع الثمن. كوكبٌ تُدار فيه القيمُ من خلف الشاشات، وتُباع فيه البراءةُ بأصابعَ باردة، ثم يُطلب من الضحايا إتقان الصمت.
إن ما كشفته “وثائق أبستين” مؤخراً ليس مجرد فضيحة عابرة، بل هو المرآة الحقيقية لوجه هذا العالم. لقد رأينا فرعونَ يعودُ بربطةِ عنق، ورأينا قارونَ يُنظّرُ للاقتصاد من فوق ركام المستضعفين. ما زلتُ أؤمنُ أنّ هناك فرقاً بين المدنيّة والحضارة، وأنّ هذا الغرب الذي يُدير زمام الأرض متمدّن بعراقة، ولكنّه متحضّر بخزي! فالمدنيّة في الآلات والطب، ولكن الحضارة في القيم والمبادئ. إنّ ذاك الذي يبكي لقطةً تُدهس في شارعه، ثم يبارك سحق أطفالٍ في بلدٍ آخر، ليس إلا وحشاً في مسوح بشر! ليس متحضراً بقدر ما هو وحشٌ مُتمدِّن!
في هذا الكوكب، يُعاد تعريف “الرذيلة” كل مساء بحسب الجهة التي تملك القوة. وحين يخرج علينا سدنة هذا النظام العالمي للحديث عن حقوق الإنسان، لا نملك إلا السخرية؛ فهكذا هي القحباء دوماً، تنتظر فرصةً لتحاضر في العفّة! ولا غرابة أن تتعفف القحباء حين تظن أن ذاكرة الشعوب قد ثُقبت.
لكنّ التاريخ يخبرنا أن الطغيان الأخلاقي حين يصل ذروته، يبدأ بالتآكل من داخله، تماماً كما تآكلت روما من قبل. والظلمُ اليوم في ذروته لأنه يتهيأ للسقوط، والليلُ في أشدّ ساعاته عتمةً لأنّ الفجرَ يطرق الأبواب. هذا العالم يتشقّقُ قيمياً قبل أن يتصدع جيولوجياً، وما الانفجارُ القادمُ إلا لحظةُ تصحيحٍ ربانية تعيدُ للأشياءِ قداستها.
وسلامتكم
منبر العراق الحر منبر العراق الحر