«حين تُرى بغداد في العيون» من أمثال الشعوب إلى لغة القلب … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :
في مقطع قصير متداول على وسائل التواصل، تظهر شابة روسية تتحدث العربية، وتقول إن في روسيا عبارة شائعة مفادها:
«عيونك مثل بغداد… حلوة حتى بالحزن».
جملة بسيطة، شاعرية، أثارت إعجاب الكثيرين، وفتحت باب التساؤل:
هل هي مثل روسي فعلاً، أم تعبير إنساني عابر للثقافات؟

قد لا يكون الجواب اللغوي هو الأهم هنا، فبعض العبارات لا تعيش بقوة أصلها، بل بصدق معناها. وهذه الجملة، سواء قيلت في موسكو أو بغداد أو إسطنبول، تلمس شيئًا أعمق من القواميس.

في تركيا، مثلًا، يعرف الصغار والكبار مثلًا قديمًا، متجذرًا في الأدب والذاكرة الشعبية، يقول:
Ana gibi yâr olmaz, Bağdat gibi diyar olmaz.
أي:
«لا حبيب كالأم، ولا ديار كبغداد».

وفي الشارع التركي، تُقال العبارة بلهجة أقرب إلى القلب:
«ماكو أحن من الأم…وماكو أجمل من بغداد».

هنا لا تُذكر بغداد بوصفها مدينة فحسب، بل بوصفها رمزًا.
رمزًا للجمال الذي لا يُلغيه الألم،
وللحنين الذي لا تمحوه الخسارات.
كما أن الأم في هذا المثل ليست شخصًا فقط، بل معنى كوني للحنان والأمان الأول.

وحين تُشبَّه العيون ببغداد، فالأمر لا يتعلق بالشكل،
بل بالفكرة:
أن بعض الأشياء تبقى جميلة حتى وهي حزينة،
وأن الوجع لا ينفي القيمة، بل يكشف عمقها.

ولعل هذا ما يفسر لماذا تعيش بغداد في أمثال شعوب أخرى، ولماذا لم تغادر المخيال التركي حتى اليوم.
ففي إسطنبول، يحمل أحد أشهر وأغلى شوارعها اسم Bağdat Caddesi – بغداد جادزيه.
اسمٌ لم يبقَ حبيس كتب التاريخ،
بل يسير عليه الناس كل يوم،
كأن الذاكرة الثقافية تقول بصمت:
الأماكن التي أحببناها حقًا لا تغيب،
حتى إن غابت عن الخرائط.

من روسيا، حيث تُقال العبارة بلغة العاطفة،
إلى تركيا، حيث تحولت بغداد إلى مثل،
إلى العراق، حيث تختزن المدينة حزنها وجمالها معًا،
تتلاقى القلوب قبل أن تتلاقى اللغات.

وحين تتشابه الأمثال بين الشعوب،
ندرك أن التعايش ليس شعارًا حديثًا،
بل حقيقة إنسانية قديمة،
تظهر أحيانًا في جملة واحدة،
وتختصر كثيرًا من الكلام:

ماكو أحن من الأم…
وماكو أجمل من بغداد.

اترك رد