الحياة لا تستمر إلا بخوازيق..قصة قصيرة….عبد الجبار الحمدي  

منبر العراق الحر :

لم يكن يعلم أو يدرك ماهي حافات الحياة التي خرج إليها بعد ان قضى اكثر من عشرين عاما مغيب عنها بتهم بعضها أصابوا فيها والعديد كانت ملفقة.. حفى حذائه الذي كان مسجونا معه في تلك الخزانة التي كانت تحمل رقم القميص الذي يرتديه طوال فترة سجنه.. شعر بالغرابة حين ارتاده وقد شعر بتمطعه وحركته الغريبة صدرت من حذائه، وسرعان ما ردد بهاجس من بعثنا من مرقدنا.. لكأنه لايريد ان يُحتذى أقدام  كانت السبب في إنهاء مشاوره وتسكعه في الطرق وحانات الخمر التي أعتاد قبل دخوله ان يكون أحد روادها وصاحبه..لاك الحذاء أصابع صاحبه حتى ضجر منها وعفط  ثم عطس على رجل خشنة لا يستسيغها ففتق جانباه من كلتا القدمين فصار يتخبط بالحركة.. لم يعرعزيز ردة فعل حذائه وقد رافقته من الهواجس الكثير منها، الجدران شاهد عيان بعيون لا تبصر كل الواقع الذي كان يرسم وهم ما كان وما سيكون… ساقه الحذاء الى أماكن تغيرت معالمها فالحانات محلات الخمر بات مكانها أسواق كبيرة ومولات هكذا عرف المسمى الجديد لها حين قرأ يافطة مليئة بألوان مختلفة تزيغ العيون إن رُكِز عليها، غير أن على الجانب من اطراف ذلك المول وعلى ناصية شارع محل تفوح منه رائحة كان يعرفها، إعتاد أن يطعم معدته التي تصحرت من تذوق ما لا يشتهيه.. الفلافل كانت سبب أحد الخوازيق التي دفعت به الى ان يكون شاهد بالقوة.. حين كان يمسك بلفة الفلافل و ما ان قضم منها حتى جاءه كرسي متطاير أطاح به ثم أن دب عراك عنيف سببه من سيدفع الحساب أولا.. تحطم ذلك المطعم الذي كان يرتاده، اقتيد ومن معه الى مركز الشرطة لتدوين افادته بعد رُكِل وضُرِب بشكل مُبَرح من الشرطة بعدها خرج بكفالة وتعهد بأن لا يأتي بعراك ثاني.. إستغرب!! لأنه لم يكن أحد الاطراف لكنه خُوزِق دون سبب، لام نفسه التي اقتاده الى دنائتها ليحظى بالضرب و التهمة، لم يكن محظوظا أبدا في حياته… فالخوازيق كانت تأتيه مغلفة مسلفنة على عناوين رغم انه غيرها لكنها تستدل عليه راصدة منغصة حياته… كثيرا ما تسائل عن السبب!!؟ لكن الغرابة أنه عندما أستفسر جاءه خازوق كيف تسأل على ماهو مقدر لك يا زنديق إنه أمر الخالق فكل له دوافعه أسبابه  مقدرة عليه… طفق يهرول بعيدا هاربا من واقعه حتى سمع أصواتا وهتافات إقتاده حذائه الأرعن المتسكع الى حيث جمهرة من الناس يتظاهرون على سوء الخدمات وسوء إدارة الدولة لثروات الشعب.. هتف مع الهاتفين كونه من الشعب وحقوقه مهدوره… ساعة من زمن كان ومن أمسكوا بهم في رحاب سجن كبير وشرطة وضباط  يكيلون لهم الاهانة والضرب.. صرخ، صاح، بكى، لم يكن هناك من يسمعه.. حتى جاء دوره للتحقيق وإذا بسجله القريب قد أشار على ذلك العراك و التعهد فنال نصيبه ايضا من الركل والإهانة واقسم متوسلا باكيا انه مستطرق ليس إلا، لكن من يسمع ويطرق بإذنه الى المواطن حكم عليه بعدة أشهر قضاها… خرج يقسم انه سيسير الى جانب الجدار لا يمس اي جمهرة بشر أو حتى يذهب الى مكان عمله الذي سمع من كان زميل له انه قد فصل بسبب التهمة المنسوبة إليه كمخرب ومثير للجدل متهم بدوره في العمل على اسقاط الحكومة… كان خازوقا خرج من راسه فصاح بصوت وصل الى عنان السماء لم يعي نفسه إلا وهو يتلقى صفعة من شرطي سري كان يتبعه حين سمعه يصرخ وهو متكئ على الجدار أي جرم فعلته يا الله لتعاقبني.. جره الشرطي السري الى مركز الشرطة مدعيا انه يريد ان يلقي خطبة كفر عن الذات الإلهية.. أُدخل غرفة التحقيق ونال الغداء الدسم ورأفة من ضابط التحقيق حين علم انه قد خرج بالامس فرفق به واطلق سراحه بتعهد اعتاد التوقيع على ورق لم يقرأ ما فيه فهذا ديدن السلطة.. على اية حال سار به الحذاء حيث المطعم الذي تفوح منه رائحة الفلافل وضجيج من هم على جلوس او وقوف ينتظرون ذلك البلهوان الذي يتحرك كرقاص الساعة وهو يصيح عيوني كم لفة رايد … إبتسم وهو يسمع صوت غير من كانوا في زنزانة وهم يتحدثون بأصوات اشباح لم ترق له لكنه مجبر على الحديث معها والانصات لها.. اراد أن يسأل عن السعر فلم يسعفه الحظ سرعان ما وجد أمامه صحن وبه لفتين من الفلافل الى جانب علبة من البيبسي… استغرب ذلك!!  لكن بهلوان الفلافل ابتسم واشار برأسه الى شخص ما لم يتعرف عليه او يستدل بذاكرته المعطبه عن صورة في جارور ذكريات صدأ… حاول كثير فتح الجارور لكنه عصى عليه فدفع به الحذاء الى الحركة بإتجاهه وقد طال من يرتديه في الوقوف وقد مل ذلك منه وضجر فأمكر له وهو الذي كان قابعا زمن أغبر في خزانة معتمة مميته كأنه في ثلاجة غرف تشريح، سار مجبرا حراك قدمه التي تنملت من الوقوف فتعثر وأسقط الصحن عن  يده على من كانا جالسان على احدى الطاولات، إنفعلا وضجا بالصراخ و السب والشتم.. أنت أعمى أحمق يا قذر أنظر ماذا فعلت بثيابي لقد لوثتها بما كان على الطاولة التي كانت مليئة بالحبشكلات.. أعتذر إنحنى لهما وشيبته التي لم تشفع له .. لم يعي إلا وصفعة وصحن طائر كانا أسبق لردة فعل تلقاها دون ان يعلم لم وكيف؟؟؟ دب هرج و مرج بين مؤيد للمسكين وحظه العاثر وبين من كانوا بصحبة بعضهم البعض… أقل من ساعة زمن كانت مركبة الشرطة التي تقف على جانب من الطريق كنقطة رقابية اسرع الى الامساك بالمتعاركين وجرهم الى مركز الشرطة الذي وقف الجميع امام الضابط والذي استغرب من ذلك الشخص الذي اطلق سراحه بتعهد فعلق مباشرة أنت أيضا!! ألم أخرجك رأفة بك وبشيبتك؟ لكن كما يبدو أنك لا تريد الحرية وقد زاملت جدران سجون لاكثر من نصف عمرك حتى إعتدها غطاء لايامك التي لا تريد ان تعوم معك في بحر السنين الجديدة التي خرجت إليها .. فجأة سمعه الضابط يقول:

  • سيدي لم يكن لي أي يد لقد تعثرت بحذائي فسقطت  نتيجة الزحام في المطعم حتى أن حذائي قد فر منه وقد قال لي أكثر من مرة اللعنة عليك يا عزيز لقد سئمتك وحظك والخوازيق التي كانت لا تفارق حظك.. أقسم بالله العظيم لك سيدي ما كان لي يد في ما حدث في السابق وما يحدث لي الآن إنه الحذاء اللعين، إنه الحظ العاثر و أنياب قدر كان يخبئ لي خوازيق أخرجت وجعها من مسامات جسدي واطراف قدميّ ويديّ.. ماذا اقول بعد لا أدري يا سيدي فإن لم تصدقي فاسأل الحذاء أو الجدران التي كنت أشكو لها همي و ادونه عليها… كان الجميع يستمع لما يقوله وهم مستغربين حالته والإنفعال الذي عبر عنه ببكاءه.. لم يصمت حتى أخرسه الضابط وهو يشير الى احد الشرطة بلطمه فجاءت الصفعة دلالة على براءة مسجون .. هاهو عزيز يقبع في السجن مرة  ثانية تاه العد فيها لكن هذه المرة تهمته قد تغيرت بعد أن حوله الضابط الى مستشفى الامراض العقلية بدعوة انه يحاكي حذائه وهو مجنون رسميا فحياته لا تستمر إلا بالخوازيق.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي  

اترك رد