في امتحان الزمن: الخذلان بوصفه معرفة….. رانية مرجية

منبر العراق الحر :لا تُختبر القيم الإنسانية في لحظات الانسجام، بل في أزمنة التصدّع، حين تنسحب المجاملات، ويتقدّم الموقف بوصفه الشاهد الأكثر صدقًا على حقيقة الأشخاص. فالزمن، في جوهره، ليس مجرّد إطارٍ للأحداث، بل أداة كشف هادئة، تعمل بصبر، وتمنح كل وجه فرصته الكاملة كي يُفصح عن معدنه الحقيقي.

التجارب لا تُعرّي الناس دفعة واحدة، بل تفعل ذلك تدريجيًا. ومع كل اختبار، يسقط جزء من القناع، إلى أن تتبدّى الحقائق بلا حاجة إلى خصومة أو اتهام. عندها ندرك أن كثيرًا من العلاقات لم تكن قائمة على عمق إنساني، بل على توافقات مؤقتة، ومصالح صامتة، وقربٍ مشروط بزوال أسبابه.

الخذلان، في هذا السياق، لا يُختزل في كونه جرحًا عاطفيًا، بل يُقرأ بوصفه لحظة وعي حاسمة. إنه النقطة التي يتقاطع فيها الشعور مع المعرفة، ويُعاد فيها النظر في مفاهيم الثقة والمسؤولية الأخلاقية. فقسوته لا تكمن في الفعل ذاته، بل في ما يكشفه من خلل في بنية العلاقة، ومن هشاشة في التصورات التي بُنيت عليها.

وليس كل اعتذار قادرًا على ترميم المعنى المكسور؛ لأن بعض الكسور لا تصيب العلاقة فحسب، بل تصيب مفهومها ذاته. ومنح الفرص المتكررة لمن خذل ليس بالضرورة تعبيرًا عن تسامح، بل قد يكون شكلًا من أشكال تعطيل الوعي. فالوعي، حين لا يتحوّل إلى موقف، يفقد قدرته على حماية صاحبه، ويغدو معرفة بلا أثر أخلاقي.

الامتناع عن إعادة منح الثقة ليس فعل إقصاء، بل ممارسة نقدية للذات. إنه تعبير عن نضج يدرك أن الكرامة ليست قسوة، بل حدٌّ أخلاقيّ واضح، وأن العلاقات التي تقوم على التبرير المستمر تُفرغ القيم من معناها، وتحوّل التسامح إلى عبء نفسي بدل أن يكون فضيلة إنسانية.

في المحصّلة، لا نخسر الذين خذلونا بقدر ما نتحرر من أوهامنا عنهم. وما يبدو خسارة في لحظته، يتكشّف لاحقًا بوصفه تصحيحًا لمسار الوعي. فالحياة لا تُقاس بعدد من مرّوا فيها، بل بقدرتنا على التمييز، وعلى الانحياز إلى القيم حين يصبح التنازل أسهل من المواجهة، وإلى الذات حين يصبح البقاء شكلًا آخر من أشكال الفقد

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد